ثلاثة محاور رئيسية هي التي ينبني عليها المعرض التشكيلي الفرنسي الذي سيشارك فيه أربعة فنانين هي التجريد والفراغ وفن الأرض، بحيث تشكل الأعمال حلقة متكاملة العناصر تبدأ من حسية تتماهى مع العين ولعبة اجتذاباتها عبر الفكرة.

وأساليب المعالجة البصرية عبر جملة من الاقتراحات التجريدية، وتنتهي بمادية مباشرة تؤسس لفرضية بصرية تربط فضاء المكان بأرضه وتخلق توازنات هندسية إن جاز التعبير بين العمودي والأفقي في مساحة المكان.

ومن هنا فإن هذا المعرض التشكيلي الذي افتتحه الأديب محمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي في وافي سنتر بحضور الدكتور صلاح قاسم الأمين العام للمجلس ومدير الرابطة الثقافية في دبي يتجاوز الحالة العامة لعرض أعمال فنية إلى كونه تجربة لأربعة فنانين تتجانس تجاربهم رغم تعارضها في الطرح.

نحو سياق بصري يشغل مساحة المكان، بما يشبه الإحالة المخبرية لتجارب تقترح وتشير إلى ممكنات جديدة، على صعيد الشكل والمضمون، وإلى قيم بصرية لا تتجاهل مرتكزاتها المدرسية التاريخية، لكنها تبني عليها، تخالفها دون أن تتعارض معها، توافقها دون أن تكون مأسورة لها.

وتؤكد على أن لعبة الفن ستظل مفتوحة وقادرة على احتضان واستيعاب مغريات المغامرة والجنوح بسيطاً كان، أو يصل حد الجنون.بين يافيس شيغل وكرستين بورين ما يجمعهما في هذا المعرض، فهما.

وعبر مجموعة أعمالهما يتخذان من التجريد المرتكز والأساس لتجارب لا تتنازل عن سحرية الطرح وجاذبية الشكل لكن بالوقت الذي تتجاهل كرستين بورين الموضوع في العمل لصالح بطولة الكتل اللونية التي تقود عناصرها، وتؤسس لفرضيات مرجعياتها الطبيعية الواقعية.

ومساقطها الضوئية، يبني يافيس شيغل عمله على موضوع عميق وأساسي في اللوحة، الموضوع الذي نجده محفوراً في السياق الزمني للمساحة البصرية وكأنه بذلك يؤسس لأبعاد درامية تعطي لكل عمل قصته الخاصة، وكينونته الزمانية والمكانية.

أو ما يشبه التاريخ لمساحة العمل، تاريخ يعشقه الفنان، ويتقشف في معالجاته اللونية، وهو على عكس كرستين التي تزهو ألوانها وتتنوع وتتداخل بما يشبه الفرح الموتور، إلى جانب الحروفية التي تنساق أحبارها في عفوية ملفته بين مفردات العمل، نجد نقيض ذلك تماماً عند يافيس الذي يمارس على ألوانه لعبة قدرية.

تضبط جنوحها وتعيق تمردها، حتى تصير اللوحة لديه موحية بزهد يصل حد التصوف لكن هذا التقشف لم يعق بأي شكل من الأشكال متعة الفرجة التي تحققها لوحته، ومتعة البحث في مكنونات العمل عن تلك المفاتيح البسيطة والبوابات الصغيرة التي يتكشف عبرها العمل وتنفتح مغاليقه.

بين يافيس وكرستين خط متصل ومتعارض بذات الوقت خاصة في عملية البحث اللوني، أحدهما يبحث في ماهية اللوحة حين يُطلق العنان لجنون اللون وتجلياته، وآخر يروض هذا الجنون ويبحث في فتنه السيطرة عليه حد الإلغاء.

وإن كان ثمة ما يجمع بين تجربتي يافيس وكرستين فإن كلاً من صوفيا بايكس والنحات كيبر تتداخل تجربتهما ولكن هذه المرة ليس في سياق موضوعي بل فيما يشبه التكامل الشكلاني.

والذهني في ذات الوقت، النحات كيبر تمضي أعماله في رحلة من التجسيدات الواقعية لعدد من الكائنات الحية، التي لا يتركها كما هي في أصلها بل يعمل على اختراق فطرتها وكينونتها رغم أنه يحافظ بكثير من الدقة على شيء من التشريحية وخاصة في الأعمال التي يقدم فيها الخيل التي امتازت بكبر حجمها.

لكنه بالصورة العامة لا يترك عمله النحتي دون أن يدمجه بجملة من المقومات الفنية الأخرى، كالحروفية مثلاً، أو من خلال الكتل التي تخترق الشكل، أو من بعض الأعمال التي تذكرنا بفن الباوهاوس، وبموازاة هذا الفنان تمتد أعمال صوفيا بايكس تنشر أعمالها على الأرض.

وهي في مجملها من البورسلان، الذي طوعت فيه وكونت منه مقاطع بصرية غنية بالدلالة الذهنية، فنحن تارة أمام ما يشبه اللقى الأثرية ونحن مع أعمال ثانية مع ما يشبه النحت الأرضي الزاهد والذي يتعاطى مع البداهة والمهمل.

ومن جهة ثالثة نحن أمام أعمال تحقق المعادل البصري للأعمال النحتية المنتصبة عمودياً نحو الأعلى. خبرة صوفيا تكمن في ذلك الخلق والتكوين لعلائق خاصة في النص البصري الذي تقترحه.

إن هذا المعرض بصورته العامة مناسبة للتعرف على مجموعة من التجارب البصرية المتنوعة، التي تسعى ليس فقط لتقديم الجميل فنياً، بل لاقتراح أفكار جديدة واجتهادات في سياق العمل الفني وآفاقه الواسعة.

حازم سليمان