سأل تشيخوف: هل لاحظ أحدكم لغة تولستوي ؟هذا السؤال عن لغة تولستوي يذكر بجمال رائعته الشهيرة، الحرب والسلم، التي يدور النقاش حول مشكلات ترجمتها في الغرب، من اللغة الروسية إلى الإنجليزية تحديداً.
إذ أن هنالك اعترافاً واضحاً أن عدداً كبيراً من الذين ترجموا هذه الرواية، لم يتمكنوا من نقل ما تحتويه المنمنة الأسلوبية من »فن«. الكثيرون تعاملوا معها من منطلق التعامل مع لغة بسيطة يمكن ترجمتها بنفس السهولة متناسين بعدها التجريبي.
على الرغم من أنك تتساءل كيف يمكن أن يكون عملاقاً أدبياً مثل تولستوي سهلاً! إلا أن هنالك بالفعل ما يسمى بإشكالية الترجمة والفن. هذه الإشكالية تتصدر قائمة الإشكاليات في مجال الأدب.
وهي على الرغم من أنها إشكالية تاريخية معروفة، إلا أن ما يذكر بها هنا شيء أكثر بساطة لا يتخطى الإنبهار بترجمة الشاعر الأميركي كولمان باركس لشاعر الصوفية، جلال الدين الرومي. باركس نفسه انبهر في البداية بالبعد التجريدي الذي احتوت عليه أشعار الرومي .
ومنه أقدم على مغامرة فريدة تمثلت في ترجمة الرومي من الفارسية إلى الإنجليزية الحديثة بصياغة مبتكرة استخدم فيها الأوزان الحرة. يقول »هذه الصياغة هي أقوى ما لدينا من تقاليد وأعراف شعرية.
.. ومع ذلك فإن هناك موسيقى شعرية كثيفة لا استطيع نقلها. إلا أنني أنصت إلى ما ينبض بين أبيات شعر الرومي من مشاعر وعواطف ثم أجعلها تنطلق مغردة«.
ما فعله باركس بدوواوين الرومي قد يكون محل نقاش حول ما إذا كان من حقه أن يتصرف على هذا النحو أم لا في أعمال يعود تاريخها إلى العصور الوسطى وثقافة أخرى غير ثقافته.
غير أننا لو وضعنا في الإعتبار أن هذه الترجمات بالإضافة إلى ما لقيته من نجاح جماهيري وتجاري في أميركا كانت منذ صدورها في منتصف التسعينات بالتزامن مع أحداث 11سبتمبر وصراع الحضارات الموضوع الرئيسي في الأوساط الثقافية.
وفيما يرى البعض أن ذلك يأتي كتعبير صادق عما يعانيه الأميركيون من ظمأ روحي يراودك شعور بأن ظاهرة »رومي« كما يسمي الأميركيون الرومي، ربما كانت أقرب إلى مشروع للتواصل بين الثقافات ينجح فيه من يجعل من الترجمة رسالة عصرية.
وكما تتراءى لنا فهي رسالة امتدت لدى باركس من العصور الوسطى إلى عصر آخر وقارئ آخر وكان ذكياً في التعامل معها خاصة ما يتعلق بالتحرر من سلطة اللغة بمفهومها التقليدي والتفاوض مع الفن على نحو ما فعل الرومي.