سُدت الطريق المؤدية إلى مدخل مبنى الاسكوا في وسط بيروت من جانب، فيما وُضع متراس ضخم من أكياس الرمل بين المبنى والطريق الملاصقة له في الجانب الآخر.

كأن مبنى الاسكوا، ضم الشوارع المحيطة به إليه، فباتت الشوارع ممنوعة من السيارات والمشاة، وبات من يدخل إليها كأنه يدخل إلى المبنى نفسه.

وحدها الطريق الملاصقة له من جهة اليمين، والتي تؤدي إلى نفق سليم سلام، بقيت مفتوحة. على هذه الطريق التي تعذّر على إدارة الاسكوا أن تغلقها، بني الجدار الضخم، المتراس الذي لا يقدر المرء، حين يمر من هناك، إلا أن يراه.

هو مشهد من الحرب، كنا قد نسيناه، أو كدنا ننساه. فمشهد المتراس يذكرنا بأيام كانت فيها بيروت مليئة بالمتاريس. جدران من أكياس الرمل كانت تقطع بين منطقة و أخرى، أو بين شارع ومبنى، أو رجل وشارع.

لا يقدر المرء، حين يمر قرب متراس مبنى الاسكوا، إلا أن يتذكر الحرب من خلاله. فالجدار الضخم ، الذي يمتد من أول الشارع إلى آخره، والذي يعلو فوق كل السيارات والشاحنات يشبه المتاريس التي كانت، ايام الحرب اللبنانية، تحمي الفنادق، والمباني الحكومية، وخطوط التماس.

أكياس من الرمل كانت تحمي المختبئين وراءها من مبان وأشخاص، من القذائف والقنابل والرصاص. وهي الأكياس الرملية ذاتها التي بني بها جدار الاسكوا.

كان ذلك قبل أن يغطي أكياس الرمل، جدار من الاسمنت. فمتراس الاسكوا الذي كان أكياسا رملية توحي بأنها قد تزال بسرعة كما وضعت بسرعة، تحول منذ بضعة أسابيع إلى جدار من الاسمنت ولا يوحي، بأنه قريب من الزوال. فهو يبدو كأنه بني ليبقى.

هو جدار رمادي، إسمنتي، ضخم، جدار يجعل من الاسكوا أشبه بالحصن، ويوحي بان المبنى مهدد في كل لحظة. لا يقدر المرء إلا ان يفكر بالانفجار، حين يرى مبنى يختبىء خلف متراس.

الجدار القبيح ، الذي يذكرنا بالحرب، تحول منذ بضعة أيام إلى جدار ملون. فإدارة الاسكوا البسته ثيابا من قماش، رُسمت عليها أشجار وبيوت وغنم وجبال.

لم يعد الجدار رماديا، ولا إسمنتيا، أو انه لم يعد يبدو كذلك. بات ملونا، بألوان الطبيعة البريئة، وبرسومات تشبه تلك التي قد يرسمها طفل، بأقلام الألوان الكثيرة التي تباع بعلب ملونة.

الجدار لم يعد يذكر بالحرب، لان متاريسها لم تكن يوما ملونة مثله. لم يعد يوحي بأنه مستعد لتلقي الضربات والقذائف، وليحمي المبنى منها. بات ملونا، وهو يكاد يكون جميلا، كأن »بيروت ترفض المتاريس«، كما بُرر حين وضع القماش الملون عليه.

إلا أن المسؤول الإعلامي في الاسكوا نبيل أبو ضرغم أشار إلى أن كلاما خاطئا كثيرا يتداول في البلد، حول موضوع الجدار وأوضح في دردشة مع »البيان« انه ليس مرتبطا بأي شكل بالأوضاع الأمنية الراهنة، وان إدارة الاسكوا طلبت من الحكومة اللبنانية منذ أكثر من سنتين، أن تسمح لها ببنائه.

وأضاف "كنا قد طلبنا من الرئيس الراحل رفيق الحريري ان يعطينا الاذن لكن ذلك لم يحصل إلا الآن.لكن حجة الأوضاع الراهنة كانت لتبرر، ربما، متراس الاسكوا الضخم، غير أن البعض يتساءل إن لم تكن هذه الأوضاع هي السبب في بنائه.

فما هو السبب الفعلي الذي دفع بالإدارة منذ سنتين إلى طلب الإذن للقيام بذلك. نأمل أن يكفي ثوب القماش الذي وضع مؤخرا على جدار مبنى الاسكوا لكي ينسينا انه في النهاية متراس.

ونأمل أيضا أن تتحسن الأوضاع الراهنة في لبنان، وألا يعود لمبنى الاسكوا سبب في البقاء مختبئا خلف متراس، ولا للجدار سبب ليبقى مختبئا خلف ثوب ملون.

بيروت ـ فراس زبيب