تجاوز الثمانين من العمر فهو من مواليد 1924 ومازال يفيض عطاء.. له خمسة كتب جاهزة للنشر وثلاثة كتب أخرى في المطبعة تصدر قريبا.. فهو أديب منتج لا يعترف بالتقاعد.

يوسف الشاروني من أبرز كتاب القصة القصيرة منذ نشر مجموعته الأولى »العشاق الخمسة« عام 1954، ثم توالت مجموعاته القصصية، له كتاب واحد في الشعر أو النثر الغنائي »المساء الأخير« طبعته الأولى عام 1963 .

ودراسات أدبية ونقدية عديدة، وتحقيق كتب قديمة، وثلاث ترجمات من المسرح العالمي، وتولى مناصب ثقافية رسمية قيادية ويرأس حاليا »نادي القصة« وصدرت عن إبداعه أكثر من دراسة، ونال جوائز وأوسمة عديدة توجت بجائزة الدولة التقديرية.

* أنت أحد ثلاثة كتاب كبار تخرجوا في قسم الفلسفة أولكم نجيب محفوظ.. وآخركم وأصغركم الراحل بدر الديب.. ما دور الفلسفة في تكوينك؟ وفي إبداعك؟

ـ عندما كنت طالباً في الثانوية قررت أن أدرس الفلسفة، لكن أسرتي ضغطت علىّ لكي أدرس الطب.

ولهذا التحقت بالقسم العلمي بالثانوية العامة، لكن مجموعي لم يسمح بدخول كلية الطب، كنت أعتقد أن الفلسفة ستعطيني عمقا في الكتابة. وكنت وأنا طالب بالقسم الثانوي بالجامعة الأميركية، أقرأ بمكتبتها الضخمة.

وقد قرأت طه حسين وتأثرت به، وقرأت توفيق الحكيم، ومحمد حسين هيكل، وإبراهيم المازني، كما قرأت للأدباء العرب مثل جبران خليل جبران. ولذلك كان عندي استعداد ورغبة في أن أكتب، وكان عندي إيمان أن الفلسفة ستعطيني عمقا في كتاباتي، وتعمق الموهبة.

* توفر لكم في ذلك الوقت أساتذة كبار.. كيف كان تأثيرهم عليك؟.

ـ كان الدكتور يوسف مراد يدرس لنا مادة علم النفس، وكان يصدر مجلة كتبت فيها أول مقال في حياتي عن رواية »السراب« لنجيب محفوظ، أما الدكتور عبدالرحمن بدوي فقد كان يبهرنا بمعلوماته ولكنه كان لا يعطي لنا فرصة للمناقشة، وكان يبهرنا بأحاديثه عن الوجودية.

أما الدكتور لويس عوض الذي درس لنا الأدب الإنجليزي في السنة الأولى فقط، فقد كان يعطينا فرصة للمناقشة الحرة، وقد عرفنا بالموسيقى الكلاسيكية التي تأثرت بها.وكان الدكتور شكري عياد يشرف على مجلة الكلية وقد نشرت فيها شعرا.

* هذا يذكرنا بعملك الشعري الوحيد »المساء الأخير«، هنا يلوح التساؤل: لماذا لم تتكرر هذه التجربة؟

ـ لقد سميته نثرا غنائيا.. وليس شعرا منثورا كما كانوا يقولون فهو في رأيي ينتمي للنثر وإن كان يتسم بالغنائية.. وقد عرف به في مصر حسين عفيف وكان محاميا، وقد قرأت في ذلك الوقت للشاعر الهندي طاغور، وكما أشرت الشاعر اللبناني جبران خليل جبران..

وقد نشرت شعري هذا بمجلة »الأديب« البيروتية في نهاية الأربعينيات، ثم صدر في كتاب باسم »المساء الأخير« عن دار المعارف عام 1963. أما عن سؤالك عن معاودة التجربة الشعرية ففي كتابي الأخير »الأذان في مالطة« – الصادر عن هيئة الكتاب 2005 – قصيدة بعنوان »مداعبة اخوانية في المسألة التدخينية«.

* تميزت في مجال القصة القصيرة فيها منذ مجموعتك »العشاق الخمسة« عام 1954.. عمن سبقوك أو من جايلوك مثل يوسف إدريس؟

ـ بعد الحرب العالمية الثانية حدث تغيران هامان.. أولهما سرعة الاتصالات كلنا نسمع خبرا واحدا في وقت واحد، صرنا نسمع أكثر من خبر في وقت واحد.. ربما خبر محزن وآخر سعيد..

وكان الأسلوب التقليدي في ذلك الوقت لا يتسع لهذه التطورات الحضارية ولابد من العثور على أسلوب يستطيع أن يعبر عن أكثر من حدث متناقض في اللحظة الواحدة، وذلك بسبب سرعة الاتصالات، فكان لابد من أسلوب يعبر عن هذه اللحظة المشحونة، ثانيا: تكاثر البشر، فالناس كانوا في نوع من العزلة بشكل ما، ثم أصبح هناك نوع من التكدس.

ولعلني عبرت عن هذا في قصة »الزحام« فأسقطت حروف العطف وأسماء الوصل بين الجمل أصبحت الكلمات متلاحقة لتلاحق الناس في الزحام أو في وسائل المواصلات، لأن حروف العطف هي نوع من التواتر وهذا التواتر أصبح معدوما في الزحام. الزحام هنا إذن ليس في المعنى بل في الأسلوب.

* هل معنى هذا أنك تضع إطارا معينا أو تخطيطا للقصة قبل أن تكتب؟

ـ إلى حد ما. هناك دائما فكرة تجعلني أتحمس لأكتب، أحيانا عندي أفكار قصص لكن ليس عندي تحمس عاطفي، لابد أن أكون متحمسا، ثم أكتب الفكرة التي أعيشها وتضاف أثناء الكتابة أشياء جديدة وأحذف وأضيف.

* لماذا اخترت القصة القصيرة بالذات دون الرواية؟

ـ هي التي اختارتني، كتبت في بداية حياتي أكتب الشعر وكتبت الرواية، ومزقتها لأنها لم تكن بالمستوى الجيد، وكنت أحيانا أنقل بعض الفصول من بعض الروايات، ثم استقريت في النهاية على القصة القصيرة وعلى النقد.

. وقد كتبت أخيرا الرواية وهي متوسطة الطول بعنوان »الغرق« وتطبعها حاليا هيئة الكتاب. قد وجدت أن الأحداث هي التي أخذت مني هذا الحيز.

* هل بنيت الرواية على حدث معين؟ أم تخيلت الحدث؟

ـ اتخذت أسلوبا جديدا.. فقد كانت هناك سفينة في البحر الأحمر قادمة من السعودية وغرقت.. وقد كتبت في نهاية الرواية قائمة بالمراجع كأنها رسالة علمية.

فهي مختلفة عن كل ما كتبته من قصص فلم أبين من قبل أي مراجع لأي قصة فهذه لها خصوصيتها فقد رجعت إلى عدد كبير من الصحف التي نشرت عن الحادث وقد أشرت إلى مصادري التي استوحيت منها هذا العمل الروائي.

* إضافة إلى القصة مارست النقد فما هو منهجك النقدي؟

ـ حاولت أن أجعل النقد عملية خلق أيضا، لأن قارئ النقد قد يكون قد قرأ العمل وقد يكون لم يقرأه، فأنا أعيد خلقه، أقدم فكرة عنه لكي يستطيع أن يتابع النقد من لم يقرأ العمل، أعمل نوعا من التلخيص، من سبق أن قرأ العمل يجد جديدا وهو يقرأ النقد.

وأنا أتبع منهج المقارنة مع أعمال الكاتب نفسه، فبعض القصص القصيرة قد تحولت إلى روايات ومن هنا أعود إلى أعمال الكاتب السابقة وعلاقتها بالعمل الذي أتعرض له، ثم أقارن بين هذا العمل والأعمال المتشابهة في الإنتاج المحلي.

أو في آداب عالمية مثلا رواية »الرجل الذي فقد ظله« لفتحي غانم نجد أربعة أصوات كل صوت يكمل الآخر، فأقارن هنا بينه وبين برانديللو الذي قدم أكثر من صوت في »ست شخصيات تبحث عن مؤلف« كل شخصية تتناقض مع الأخرى.

وبذلك تتضح لمن يقرأ النقد أبعاد العمل. وأنا أؤمن بأن هناك نقدا عقليا ونقدا تصوفيا، فإنني أقرأ العمل أكثر من مرة.وأندمج معه، وتكشفت أشياء لا يبيحها لك هذا العمل إلا من خلال حبك له، أي تخلق عاطفة بينك وبينه، هذه العاطفة تجعلك تستكشف خبايا العمل، هذا ما أدعوه النظرية التصوفية.. أنك تصادق العمل الفني وعندما تصادقه يكشف لك عن أسراره.

* هل وجدت وأنت في مقتبل حياتك الأدبية من شجعك كما تشجع أنت الشباب؟

ـ لا بل كنا شلة أصدقاء.. بدر الديب ومحمود أمين العالم وعباس أحمد وفتحي غانم.

كنا نجتمع ونقرأ أعمالنا.. قرأوا لي »المساء الأخير«، ولبدر الديب »حرف الحاء«، ونستمع للنقد، انتقدوا مثلا بعض الجمل في قصة »الزحام«.. وهناك في نفس الوقت كثير من الكتابات النقدية عن أعمالي.

* ذهبت لسلطنة عمان حيث قضيت تسع سنوات من عمرك، فما الداعي لرحيلك؟ وكيف انشغلت بالبحث في تراث هذا البلد؟

ـ خرجت من مصر كنوع من الهرب من الواقع المتردي في المجلس الأعلى في ذلك الوقت، عملت في البداية كرئيس قسم الترجمة في شركة بترول لمدة عامين، ثم انتقلت إلى وزارة الإعلام حينما ذهبت أخذت معي مجموعة كبيرة من الكتب للقراءة، في وقت الفراغ فلم أكن أعتقد أن فيها هذا القدر من الثراء الأدبي والشعري.

واكتشفت مكتبة من التراث الأدبي، والتراث الديني، والتراث الشعري. وقد اهتممت بالتراث الأدبي والتاريخ. خلال إقامتي بين 1983 و1992 نشر لي خمسة كتب عن التراث العماني والأدب العماني الحديث، وكتابان في التحقيق، وترجمت كتابا عن الخليج.

كان الدكتور يوسف شوقي مهتما بالموسيقى وأنشأ مركزا للتراث الموسيقي، أنا اهتممت بالتراث الأدبي الشفاهي زرت القرى وسجلت القصص الشعبية، بعضها لحفظة مسنين، كان هذا أمرا مهماً.

حيث حل التليفزيون والإذاعة محل هؤلاء الرواة ولم يعد أبناؤهم وأحفادهم يحرصون على هذا التراث.. للأسف لم يستكمل مشروعي فلم تهتم الدولة بإنشاء مركز للتراث كما فعلت بإنشاء مركز للموسيقى.

* أخيرا ما هو جديد يوسف الشاروني؟

ـ مجموعة قصص بعنوان »أجداد وأحفاد« بعضها قصص لم تنشر كتبتها منذ ثلاثين سنة، وبعضها قصص جديدة، وكتاب نقدي »من قراءات في روايات« عن روايات مصرية وعربية، وعندي خمسة كتب أخرى جاهزة للنشر.. آخرها كتاب سميته: »توتة توتة فرغت الحدوتة«.

القاهرة ـ فوزي سليمان: