شهد «خان أسعد باشا» في سوق البزوريّة بدمشق القديمة، مؤخراً، معرضاً تشكيلياً هندياً مهماً، ضم إحدى وثمانين لوحة ومحفورة مطبوعة وبضعة صور ضوئية، منفذة باللونين الأبيض والأسود، وبحرفيّة عالية: تكويناً، وعناصر، وتدرجاً لونياً، ما جعلها تتماهى بفن الحفر المطبوع وتحمل أبرز مقوماته وخصائصه.
حملت أعمال المعرض، كل ما تموج به الحركة الفنيّة الهنديّة المعاصرة من اتجاهات وأساليب وتقانات، ما يجعل منها وثيقة لأطيافها وتلاوينها المختلفة، بل لعله من أبرز المعارض الدولية التي زارت دمشق هذا العام.
بما حمل من أساليب وخبرات فنيّة، تجعل منه مادة بحث خصبة، للفنانين التشكيليين وطلبة الفنون الجميلة الذين أُتخموا بالمعارض الغربيّة أو الدائرة في فلكها، ومعظمها من النوع الذي يضر أكثر مما ينفع.
بما تحمل من فنون العبث والصرعات، المنجزة بكثير من السرعة والسهولة، وضمن طقوس استعراضيّة، لا تُضيّع الفنان فحسب، بل وتُفرّغ فنه من قيمه الفنيّة والإنسانيّة.
أعمال الفنانين الهنود، صالت وجالت، بين أطياف الفن التشكيلي العالمي المعاصر، دون الذوبان والتماهي فيها.
أو تكرارها واستنساخها بشكل آلي وبارد، بل أخذت منها ما يلائمها ويتفق مع روح البلاد التي تمثلها بحياتها المعاصرة، وبإرثها الذي تنهض عليه، وهو عميق، ومتفرد، وغني حضارياً وإنسانياً.
هذه المعادلة الفنية المهمة والضروريّة التي باتت تشكل هاجساً للفنان المعاصر، احتضنها بجلاء معرض «رسومات معاصرة من الهند» وغابت من غالبية المعارض الدوليّة التي رأيناها في الآونة الأخيرة ، حيث وقعت غالبية الأعمال الفنيّة التي ضمتها، في فخ التكرار الأعمى والبارد لفن العبث.
شملت الموضوعات التي تناولتها أعمال الفنانين الهنود، جوانب مختلفة من حياة الهند وتراثها العريق،تارة بصيغ فنيّة واقعيّة، وتارة أخرى، بالاتكاء على استعارات.
ورموز وإحالات بصريّة، مستلهمة من الموروث الشعبي الهندي، عالجها الفنان بصيغ ورؤى جديدة، يتواصل من خلالها، الحديث مع القديم، والتشخيصي مع التجريدي، والواقع مع الخيال، والتقانات التقليديّة مع التقانات الجديدة المتماهية بنكهة هندية ساحرة.
فإلى جانب الرسم، والتصوير، والتصوير الضوئي، ضم المعرض عدداً كبيراً من المحفورات المنفذة والمطبوعة، بوساطة تقانات هذا الفن المختلفة، بدءاً من الخشب، والحجر، والمعدن، واللينوليوم، والمنقاش، والإبرة الحادة، والماء الثقيل، وصبغة الماء (القلفونة) وانتهاءً بالشاشة الحريريّة، والحاسوب، والتلصيق (الكولاج).
ما يلفت الانتباه أيضاً، السويّة الفنيّة العالية لكافة أعمال المعرض، ما يؤكد أنه تم انتخابها بعناية فائقة، وموضوعيّة كبيرة.
أهلتها لأن تقدم صورة شاملة ومشرقة، للفنون التشكيليّة الهنديّة المعاصرة التي وفقت ببراعة، بين أطياف عصرها وروح تراثها، وبين الشخصيات الفنيّة المتفردة للمشتغلين في حقولها، وتلاوين الفن الحديث التي لا تعرف الاستقرار والهدوء !!.
د. محمود شاهين