هل يتقهقر الشعر رغم ذاك العدد الكبير من الشعراء هنا وهناك؟ هل تساهم مشكلة النشر في ظهور شعراء وتغيب آخرين؟ وماذا عن النشر الالكتروني والتطور التقني؟ وما دور المؤسسات الثقافية القائمة على شؤون النشر والتوزيع واختيار النصوص وبلورة المواهب؟ هل تنفصل مشكلة شعراء الإمارات عن مشاكل النشر بشكل عام؟
ندوة الشاعر الإماراتي ومشكلة النشر التي نظمتها دائرة الثقافة والإعلام في قصر الثقافة بالشارقة أول من أمس تحاول أن تجيب عن أسئلة أرقت وتؤرق الشعراء عامة والشعراء الإماراتيين خاصة سواء كانوا من جيل الباحثين عن فرصة للنشر أو من الأجيال القديمة والمخضرمة.
الدكتور يوسف عيدابي الذي أدار الندوة يرى أنه في ظل التطورات التكنولوجية الهائلة والتحولات الكبيرة صار الشاعر أقرب إلى المنفى منه إلى القبيلة وصوت الأمة.. وساهمت الثورة التقنية في أن يصبح الشاعر شفاهة مشافهة في شبكة الانترنت، ولم تعد قضية النشر في المعنى التقليدي كما كانت، ولا الشعر كما كان ديوان العرب.. تقهقر الشعر تقهقرت الثقافة وأهل الثقافة إلى الحائط..
والباقي أما أصوات للسلطة، وأما أصوات للمنافي والعزلة، ولم تعد في ظل ثقافة العولمة مسألة الثقافة والمثقف العضو اللصيق بالمجتمع هي القضية.. ولم تعد مسألة الشعر والشاعر مسألة موثوق بها في المجتمع العربي التقليدي.. أودع الشعر الحديث في آخر ذبول النشر وصار للنخبة حتى في الانترنت.
فماذا عن مشكلة النشر في الإمارات؟ وما دور المؤسسات الثقافية في ذلك؟
دائرة الثقافة
الدكتور عمر عبدالعزيز رئيس قسم الدراسات والنشر، مدير تحرير الرافد، اعتبر في ورقته إن المشكلة مرتبطة بالمشكلة العامة للنشر التي تعبر في نهاية المطاف عن أولويات العطاء الثقافي المرتبط بالكتاب بوصفه ذاكرة معرفية ووسيلة للإبحار في المكان والزمان وأسلوباً لإعادة إنتاج القيم والمعارف والتجارب ويدخل الشعر من باب واسع في هذه المتوالية الفكرية والثقافية خاصة إن له علاقة بالخصوصية والتوق وعوالم النفس البشرية.
وأشار إلى دور دائرة الثقافة والإعلام في نشر الشعر حيث تنطلق مطبوعات دائرة الثقافة من رؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، تلك الرؤية التي تعتبر الكتاب خياراً أو اختياراً، بل قابلية استثنائية نستطيع بها أن نحايث الثقافة الإنسانية الشاملة..
ومن هذا المنطلق تواترت إصدارات الدائرة منذ عام 1993 حيث ارتفع مؤشر الإصدارات السنوية من بضعة إصدارات متواضعة إلى 80 إصداراً سنوياً. وتتوزع إصدارات الشعر الإماراتي في كتب دائرة الثقافة إلى المستويات التالية: إصدارات شعرية، إصدارات حول تجربة شعراء إماراتيين، إصدارات نثرية لشعراء إماراتيين، كتب نقدية تتناول ضمناً إصدارات شعرية إماراتية وترجمات تقدم للشعر العالمي.
اتحاد الكتاب
عن تجربة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات تحدثت باسمة يونس حول الشاعر الذي يملك مشكلة مع النشر، وحول المؤسسات التي تنشر الشعر ويقع على عاتقها عبء النظر في إشكالية النشر وفي الأسباب التي تجعل من النشر مشكلة. وأوضحت أن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات لديه سياسة تقتضي عدم نشر المؤلفات الشعرية باللهجة العامية، وتركه لبعض المؤسسات المهتمة بالتراث الشعبي والقادرة على الاهتمام بالشعر الشعبي، وإن كان الاتحاد مؤخراً قد تبنى إنشاء ناد للشعر فهل لديه توجه لنشر الشعر الشعبي؟
وبعد تطرق باسمة يونس للنشر الإلكتروني ودوره في المشكلة، ودور الشعراء ذاتهم والذائقة الشعرية واهتمام المجتمع عامة بالشعر الحديث، إشارات إلى أن مشكلة النشر لا تتوقف عند حدود الإمارات أو مؤسساتها الثقافية، بل تكمن في كتاب الشعر أنفسهم، والجديد الذي يقدمونه، ودعت إلى الاهتمام بتقنيات الشعر وتقنيات كتابته وتدريس هذا الفن قبل الحديث عن نشره.
دراسة بيليومترية
الدكتورة هانم عباس محمد قدمت ورقتها رصداً لبعض شعراء الإمارات على اختلاف أجيالهم واختلاف الموضوعات التي يتناولونها، وبيليوجرافية عن الشعراء وما ألقوه..
وأشارت د. هانم إلى أنه لا يمكن حصر الشعراء الذين يتم نشر أشعارهم في المجلات والدوريات، وبالرجوع إلى الفهرس العام لمكتبة الشارقة يصل عدد العناوين الخاصة بالشعر إلى 436 عنواناً وهذا العدد قليل مقارنة بالعناوين في المجالات الكتابية الأخرى كالنثر مثلاً، وتحدثت د. هانم عن اتجاه النشر ومعوقاته، والاتجاه اللغوي والموضوعات الشعرية التي تناولها الشعراء.
غياب الاهتمام المؤسسي
أحمد راشد ثاني أشار طرحه إلى غياب الاهتمام المؤسسي بشكل عام، وتطرق إلى توجه بعض الشعراء إلى طباعة أعمالهم دون غطاء مؤسسي أو حتى دار نشر مما خلق مشكلتين جراء ذلك الأولى مقابلة الشاعر وجهاً لوجه مع الرقابة والثانية ضعف التوزيع وتعثره، ولم يتوقف النشر الخاص على هذه الطريقة، بل سعى البعض إلى النشر عن طريق منشورات من إعداد الشعراء ذاتهم، ويبدو أن هذه الظاهرة القديمة تحولت إلى النشر الإلكتروني، وهذا أعطى للشعر في الإمارات صفة الشعر الصحافي أكثر منه شعر الكتاب، وفي ذلك أيضاً غياب للقراءات النقدية مما يعيق تطور الشعر والشعراء الجدد.
وعن غياب المؤسسات الأهلية تحدث عن تجربة اتحاد الكتاب واهتمامه بالنشر والدور الذي يقوم به كرقيب ومحكم بدلاً من سعيه لاحتضان الكتاب الشباب وتأطير الأصوات الجديدة.
أما المؤسسات الأكاديمية فللأسف لا يوجد في الجامعات مساق واحد لتدريس الأدب في الخليج، وكأن هذه الجامعات في مكان آخر، وتساءل ثاني عن هذا الغياب في المنهاج الجامعي، وكيف سنعود الطلبة على عادة القراءة وخلق جيل يهتم بالشعر والأدب ولم يتوقف الأمر على المؤسسات الأكاديمية فالمؤسسات الثقافية بشكل عام ضد الشعر الحديث، ليس الحديث العربي »محمود درويش أو أدونيس« بل الحديث الإماراتي والخليجي.
وتناول أحمد راشد ثاني في ورقته أيضاً غياب المكتبة الحية التي تتابع كل جديد، فللحصول على آخر الكتب ليس أمامنا إلا المعارض أو جلبها من الخارج.. هذا ودار نقاش ثري حول النشر الالكتروني ودور الناشر والشاعر من جهة والمؤسسات الثقافية في جهة ودور وسائل الإعلام من كل ذلك؟!
محمود أبو حامد