مرت القصة القصيرة العربية بتطورات بارزة خلال العقود الخمسة الأخيرة، سواء أكان هذا التطور في جماليات القصة أم في تنوع الأفكار وغزارتها، وازدهرت هذه القصة على أيدي بعض قادتها القصصيين مثل يوسف إدريس، غسان كنفاني، وجميل حتمل، ونجيب محفوظ، ويحيى حقي، زكريا تامر وغيرهم.

وشكلت هذه القامات حضوراً لافتاً في عالم الفن القصصي، بما قدمته من جماليات فنية عالية المستوى، وأفكار عميقة في قصصهم القصيرة، ظلت راسخة في الذاكرة العربية الثقافية، وحاضرة في أذهان القراء والمهتمين.

تصب القصة القصيرة في الإمارات في ذلك النهر الخصب المتدفق من القصة العربية، والممتزج بفنياتها الجمالية وأفكارها. وإن كانت القصة في الإمارات ذات نكهة محلية مرتبطة بالبيئة الاجتماعية، وظواهرها المتعددة مثل العمالة الوافدة ومشاكل الزواج. وعميق الصلة بالبحر والحنين الدائم إليه، والاهتمام بالموروث الشعبي.

ورغم أن هذه القصة القصيرة حديثة النشأة في الإمارات، ومثلت تجربتها ثلاثة عقود أو تزيد قليلاً، إلا أنها أثمرت نماذج قصصية متميزة في الثمانينات وهي مطلة من الجيل المؤسس لهذه القصة، مثل عبدالحميد أحمد، وعبدالله صقر، وسلمى مطر سيف، ومحمد حسن الحربي، ومريم جمعة فرج. وقد كشفت هذه النماذج عن تطور في البنية الفنية للقصة القصيرة في الإمارات وتعدد مستويات القصة في قصصهم.

تواجه القصة القصيرة في الإمارات تراجعاً واضحاً في الجماليات الفنية للقصة، وضحالة الأفكار خاصة عند بعض القصاصين الجدد، خلال السنوات السبع الأخيرة. إن هذا التراجع يشكل ظاهرة أدبية في الإمارات تستحق البحث والدراسة من قبل الباحث في أدب المنطقة. وهو مؤشر على تحول يحدث ببطء في أدب الإمارات.

وتتجلى ظاهرة تراجع جماليات القص عند تأمل ظاهرة ثقافية أخرى، مرتبطة بالقصة القصيرة في الإمارات، وهي كثرة النتاج القصصي عند الجيل الجديد. وبرزت هذه الظاهرة من خلال قراءة كثير من القصص لفاطمة المزروعي، عائشة عبدالله محمد، سارة الجروان، ريا سلطان البوسعيدي، وعائشة الزعابي وغيرهم.

ولنتأمل واحدة من هذه التجارب، ولتكن تجربة القاصة عائشة الزعابي التي نشرت مجموعتين قصصيتين، وهما (وللموت لغة) و(غشاوة)، رغم صغر تجربتها القصصية. فالمجموعة الأولى صدرته عن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع في بيروت، مع مكتبة مركز الشريط الإسلامي بالشارقة، في عام 1997م. وأما المجموعة الثانية فنشرت ي دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع دبي في عام 2002م.

إن قارىء قصص المجموعتين لا يجد تمايزاً بين (وللموت لغة) و(غشاوة)، خاصة في المستوى الفني والفكري والموضوعين للقصص. فالزخم في عدد القصص الجديدة، يصيب القارىء بالدهشة والتساؤل معاً: فمنذ متى كانت القصة القصيرة سهلة إلى هذا الحد وهي المعروفة بــ (الفن الصعب)؟! ينبع تراجع جماليات القصة عند الجيل الجديد من قصاصي الإمارات من خلال النقاط الأربع التالية:

1 ـــ هشاشة مدخل القصة القصيرة في قصص بعض الجيل الجديد، وخلوه من عنصر التشويق والجذب للقارىء. وتتمثل هذه الهشاشة في بعض قصص فاطمة المزروعي مثل قصص (زهرة العشق) و (بقايا تحت التراب) و(شمس الليل)، المنشورة في مجموعة (ليلة عيد) من إصدارات دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة في عام 2003م، فأفرأ مدخل قصة (زهرة العشق) في الفقرة الآتية:

(وليه) قصتي وقصتك وقصة غيرك من البشر الذين تمرح خيالاتهم في عوالم متشابهة وأزمنة عنيقة (ليل) سوف أفتح كتاب حكاياتك، وسأنثر زهورك على أجساد العذارى.. وبعد أسطر قليلة تأتي الفقرة التالية:

(يا ليل) لنبدأ بحكايتك، فقصتك الدامية لا تزال تكتب على جدران مدينتي بكل الألوان، بالدم ينقشها أطفال ورجال ونساء.فمن الملاحظ أن مدخل القصة لا يبعث ذلك الضوء الخافت الذي يدل القارىء على الشخصية أو أحد جوانبها في القصة، وإنما يغرق بأفكار وخواطر متدفقة، فلا يعرف من هي (ليل) التي يحكي عنها.

كما أن الفقرة السابقة لا تضيء حكاية (ليل) بل تستمر في أفكار متلاحقة لا رابط فيما بينها! فمدخل القصة القصيرة يشبه الضوء الخافت الذي يهدي القارىء إلى معرفة بعض نبض القصة وليس معتماً يجره إلى الظلام.

2 ـــ غياب العمق في الشخصية القصصية في بعض قصص الجيل الجديد، وضبابية معالمها في القص، أضعف من بنية القصة الفنية. تبدو شخصية قصة (الطوفان) لعائشة عبدالله غير واضحة المعالم والصورة، فلا نعرف عنها سوى الموت يعيش بداخلها كالطوفان، فلماذا يعيش الموت في أعماقها هكذا؟ لا ندري! والقاصة عائشة عبدالله لم تمنح القارى مفاتيح أو إضاءة تدل على طبيعة هذه الشخصية، شبه غائبة عن القص، وإنما أخذت في وصف الموت، بدلاً من الشخصية.

3 ـــ حضور صوت الفكرة الذاتية في القصة الجديدة في الإمارات، إن هذا الصوت يأتي بشكل لا ينسجم مع فنية القصة القصيرة، فهو ينطلق من أفكار القاص التي أراد بها الهيمنة على القص، دون أن توجدهما أحداث القصة، وفرض تدخله المباشر على القصص،

وتكرار الأجواء النفسية والدلالية وتشابهها في المجموعة القصصية الواحدة. مثلاً تشابه قصص (ليلة عيد) في الجسد النفسي المليء بالوحدة والليل والظلام والمرض، والأحلام المحطمة، والغروب والرحيل، فأغلب شخصياتها تدور في هذا الفلك، محبطة وتريد الرحيل أو الموت، وكأنها شخصية واحدة تحركها القاصة في هذا الجو، دون أن تسمح لها بحرية الحركة والتعبير.

فهذا التدخل بالفكرة أفقد القصة صفة الشخصية الحية التي تعد إحدى سماتها المميزة، كما نجد حضور الفكرة وهيمنتها على القص في قصص (الطوفان) و(فوضى) و(حلم) من مجموعة (ما بعد الطوفان) لعائشة عبدالله.

4 ـــ تفاوت لغة القص عند القصاصين الجدد في الإمارات، بين المباشرة والشعرية الغامضة وليست الشاعرية التي تتواءم مع فنية القصة القصيرة أن اللغة القصصية التي عبرت عنها قصص (وللموت لغة) لعائشة الزعابي بمباشرة خالية من التصوير المكثف الذي يرتفع بجماليات السرد القصصي ويدفع الحدث نحو التطور والنماء في القصة.

فاطمة السويدي