هوانغ سوكيونغ أحد روائيي كوريا الجنوبية البارزين، فعمله وأعمال عشرات الروائيين الكوريين هي بؤرة اهتمام معرض فرانكفورت للكتاب هذا العام الذي يعد أكبر تجمع للناشرين.

يبدو الرجل النحيف بشعره القصير الذي يختلط بياضه بسواده، أصغر بكثير من عمره الحقيقي »61 عاماً« وعندما يسأل عن كيفية تمكنه من الاحتفاظ بشبابه.. ترتسم على شفتيه ابتسامة ويجيب بشيء من التناقض »أضحيت أصغر ولكني كبرت من الداخل خلال السنوات الخمس التي قضيتها في السجن. أنا سيد البقاء«.

كان كوانغ سوكيونغ قادراً على إثارة دهشة الجميع على الدوام. ففي عام 1989 استجاب لدعوة من جمعية كتاب كوريا الشمالية وسافر إلى بيونغ يانغ عاصمة كوريا الشمالية كممثل لجمعية فناني كوريا الجنوبية ــ ضارباً عرض الحائط بدستور الأمن القومي المتعسف لكوريا الجنوبية ــ الذي نادى إلى فرض عقوبات قاسية على كل من له صلة ببلاشفة كوريا الشمالية.

وقد تحاشى في بادئ الأمر الاعتقال الذي كان يتوقعه في موطنه، وذلك بقضائه عدة سنوات في ألمانيا وأميركا. لكن هوانغ أدرك جيداً أنه سيذهب إلى السجن عندما قرر العودة إلى كوريا الجنوبية في العام 1993، وفي نهاية المطاف قضى خمس سنوات في سجن انفرادي وذلك لاحتجاجه الرمزي على لعنة التقسيم القومي.

وقد وصف الكاتب سنوات المقاومة العديدة ضد أسلوب الحكم الفاشي في موطنه في روايته التي غلب عليها الطابع الذاتي »الروضة البعيدة« والتي نشرت مؤخراً بالألمانية لتتزامن مع تسليط الضوء هذا العام في معرض فرانكفورت للكتاب على كوريا.

ان بطل الرواية ــ السجين السياسي اليساري ــ الذي أطلق سراحه مؤخراً بحث بعناية عن صلة ما بالواقع الذي تغير بشكل مثير خلال السنوات التي قضاها في السجن وقد استخدم مذكراته ليحيي ماضيه في مترو الأنفاق، وهنا يصف نضاله لإلغاء دستور الأمن القومي:

»كان الإضراب عن الطعام طريقة مجدية للفت الانتباه.. كنت أولاً أقرأ إفادة معدة مسبقاً، ثم أقف أمام نافذة فوق المرحاض منادياً بشعارات ومردداً لأغان نضالية..

وعندما بح صوتي بدأت برمي الصحون على الحانات للتأكد من أن الجميع على علم بما اعتزم فعله وفي بعض الأحيان كنت أفتح الثقب المخصص لادخال الطعام وألقى خطبة بحيث يسمعها كل من بالردهة«.

هوانغ نفسه ذاق مرارة السجن لأول مرة في عام 1964 عندما كان طالبا في العشرين من عمره وذلك بعد احتجاجه على مفاوضات كوريا الجنوبية مع النفوذ الاستعماري الياباني الأسبق.

لقد ساهم منهج الحكومة الذي يحكم بيد من حديد لولوج عالم الحداثة في النماء الاقتصادي أولاً، بيد أنها لم تقم بالإعلان عن التوزيع المنصف للثروة حتى وقت متأخر. فقد انتشرت الأحياء الفقيرة في مدن كوريا الجنوبية الكبيرة بشكل لافت في مقابل تناقص عدد السكان القرويين.

وقد خبر هوانغ الجانب المظلم من التغيُّر الاجتماعي والاقتصادي السريع، التغيُّر الذي أعلى شأنه الحكام، غير مبالين بالأفعال التي تنجم عن اليأس، كالفعل الذي أقدم عليه الشاب العامل في محل الأقمشة عندما قتل نفسه حرقاً.

وتمت إحالة هوانغ إلى الخدمة العسكرية في عام 1966 وأرسل إلى الحرب التي كانت تشنّها الولايات المتحدة في فيتنام. أثار تصوير الحرب في روايته »كنف الأسلحة« التي نُشرت عام 1985 صدمة في كوريا الجنوبية التي كانت تُعتبر في ذلك الوقت محمية تابعة للولايات المتحدة.

ارتقى هوانغ إلى مستوى الشعبية عام 1984 بعدما أتم قصته البطولية »شانغ كيلسان« والتي يُعد بطلها روبن هود كوريا في القرن الثامن عشر، وتم نشر أربعة ملايين ونصف المليون نسخة من روايته المؤلفة من عشرة أجزاء في كوريا.

أبدع هوانغ رائعته الأدبية »قصة السيد هان« عام 1972 وكانت الرواية حول بروفيسور في علم أمراض النساء في جامعة بيونغ يانغ الذي تطوَّع للعمل طبيباً عسكرياً حينما اندلعت الحرب الكورية عام 1950.

ولأن الطبيب الأمين رفض مسايرة الجو السياسي على حساب رفاهية المرضى ذوي الحالات الحرجة، فقد وُصف بالتمرُّد على الثورة وحُكم عليه بالإعدام. وقد نجح بالإفلات من حكم الإعدام.

وفرّ إلى كوريا الشمالية التي اتهمته هي الأخرى على الفور بكونه جاسوساً بلشفياً ما أدى إلى تعذيبه في قبو تحت الأرض من قِبل عملاء الاستخبارات في كوريا الجنوبية. يودّع السيد هان الحياة هرماً وحيداً، لا يعرف أحد مسقط رأسه، ولم يعتبره جيرانه بالقرب من شقته المذهلة سوى رجل مخبول يثير الشفقة.

يقول هوانغ: »حتى وقتنا هذا، يعد انقسام كوريا أشد خطورة من انقسام ألمانيا. إن الاتفاقات الألمانية التي كانت تسمح للمواطنين من كلتا الدولتين بزيارة عائلاتهم أو الحصول على تأشيرات السفر، والتي مكنت من الاحتفاظ بالروابط الأسرية عبر الحدود، هذا النوع من التسهيلات كان مستحيلاً في كوريا.

ولسوء الحظ فإن الجيل الأول من ضحايا الانقسام في كل من الشمال والجنوب قد فارق الحياة والحاجة إلى الاحتجاج بالأقارب قد تراجعت بين أفراد الجيل التالي.

في الواقع بمقدوري رؤية حدوث هذا الأمر من أقربائي في الشمال، كما أن الأساس بالانتماء بدأ يتوارى عند أبنائنا وأحفادنا كذلك«.

ولكن ألا تبرهن قضية الألمان على أن اجتماع الشمل ممكن الحدوث على حين غرة رغم مرور عقود على التغريب والانقسام القومي؟ يقول هوانغ:

»في حالتنا نحن، فإن الفروقات بين مستويات التقدم المتعلقة بالبلدين شاسعة. بالإضافة إلى كوريا الجنوبية ليست ثرية بما فيه الكفاية كي تتمكن من تمويل عملية »تطوير الشمال«، وسيستغرق هذا ما لا يقل عن ثلاثين عاماً ريثما يجتمع الشمل«.

وللمرة الأولى منذ ستين عاماً فإن سياسة كوريا الجنوبية التي كانت تسعى إلى تآلف العلاقات مع كوريا الشمالية لبعض الوقت بدت وكأنها تنجح عندما اجتمع عدد من كتائب الدولتين في كوريا الشمالية في أواخر يوليو الماضي.

وبعد ستين عاماً من رحلته الأولى إلى بيونغ يانغ والتي أدخل بسببها السجن، عاد هوانغ إدراجه إلى كوريا الشمالية ليصبح قائداً لوفد من الجنوب. واجتمع كتاب كوريا الجنوبية مع نظرائهم في كوريا الشمالية في العاصمة أولاً ثم في المناطق الجبلية.

وقد ترك الحدث انطباعاً راسخاً في ذهن هوانغ عن الحياة اليومية في الشمال. يقول هوانغ:»لم يكن لدى الناس في العاصمة ما يقتاتون به، وحتى بعد الساعة العاشرة مساء كان الفندق الذي نزلنا به هو المبنى الوحيد الذي كانت أنواره مضاءة، وبخلاف ما شاهدته قبل 16 عاماً، لم أر جراراً واحداً في الريف كما أن مخزون الوقود كان يحوّل الآلات إلى خردة حديدية مغطاة بالصدأ..

ولم نر سيارة واحدة خلال جولتنا التي استغرقت خمس ساعات إلى المناطق الجبلية«. ورغم كل شيء، فإن هوانغ كان يشعر بأن واقع الاجتماع الذي حدث قد شجعه. فالإعلان الذي صدر عن الاجتماع والذي نادى بتأسيس اتحاد لكتاب كوريا كان يعتبر أمراً مثالياً حتى وقت قريب.

راينر تروب

ترجمة: كوثر علي