يعتبر »با جين« الذي رحل عن عالمنا قبل فترة وجيزة عن 101 عام، عميد الأدب الصيني ، وآخر من ظل على قيد الحياة من رموز الثورة الثقافية، بين عشرينات وثلاثينات القرن المنصرم. يعرف جين على نطاق واسع خارج بلاده ـــ ولدى مواطنيه من الأجيال الشابة ـــ بأنه مؤلف رواية »العائلة« 1931.
وهو عمل روائي، مؤسس على ذكرياته التي تعود إلى مرحلة الطفولة حيث كان يعيش في أسرة ثرية بمقاطعة سيشوان وفيها يسلط الضوء على المظهر القمعي، القاتم للحياة في عائلة ممتدة في ظل النظام الإقطاعي الصيني السائد في تلك المرحلة.
على الرغم من سعيه في ثلاثية »النهر المتمرد«، التي تمثل رواية، العائلة، الجزء الأول منها، تلتها كل من »الربيع« و»الخريف إلى التأكيد على حتمية« تدهور النظام العائلي التقليدي، والكيفية التي يعمل من خلالها هذا النظام على المساهمة في وضع حد لوجودها. إلا أن تلك الرسالة الموجهة إلى الشباب كان لها صدى أكثر إيجابية؛ وحسب ما ورد عنه فإن الأمر كان يصل ببعض هؤلاء الشباب إلى حد الانهيار، ومع ذلك فإن قلة منهم كانت قد نجحت في النهاية في تجاوز مشكلاتها.
بعد أكثر من نصف قرن، في الثمانينات، أو تحديداً خلال الفترة التي أعقبت خروج الصين من الحقبة الماوية، تواصل سعيه إلى البحث عن نموذج آخر، تتمكن من خلاله الصين المدرجة تحت مظلة الاشتراكية، من الاستمرار في تفكيك النظام الإقطاعي.
كان جين قد تحول في تلك الأثناء نحو الزعامة الثقافية، ولم تكن تصدر عنه في ذلك الحين إلا انتقادات بسيطة تصب في الاتجاه المعاكس لتيار الثورة الثقافية القمعي الذي شهدته الصين أواخر الخمسينات. حيث كان، إلى حد ما، قد تعرض لبعض الضغوط المفروضة من قبل الثورة الثقافية بين عامي (1966 ـــ 1976) حين منع من ممارسة الكتابة وأجبر على تنظيف المجاري.
إلا أنه سرعان ما شرع في البحث بشكل أعمق في روايته التالية »دم ونار« التي يدور موضوعها الرئيسي حول الصين، وذلك في الفترة التي تلت رحيل زوجته سنة 1973 بعد امتناع السلطات عن تقديم الخدمة الطبية لها. وعندما بدأت السلطات المشرفة على الثورة الثقافية بالتحول إلى أداة للهجوم الشرس في أواخر الثمانينات، وعد جين بتأسيس متحف للثورة الثقافية يرمي إلى وضع حد لتلك التجاوزات التي كانت قد وصلت إليها.
يقول في مذكراته »أفكار عشوائية« 1987، كتب »الواقع أنه لا علاقة للأمر بشيء كعدم الرغبة في النسيان: ولكنه ما يتعلق، ببساطة، بشبح الماضي الذي ما زال مهيمناً على تفكيري. كيف لي أن أجرد نفسي منه، كيف لي أن أفهم كيف تسللت الكارثة إلى نفسي، كيف لي أن أتذكر فقط كيف بدأت تلك التراجيديا وكيف أسند إليّ ذلك الدور الذي يمقته الآخرون إليّ« والحقيقة أن، مذكرات عشوائية، هو الأكثر قوة بين أعماله غير الروائية بالنظر إلى إشارته إلى نوع مشترك من الإجرام الثقافي يشترك فيه الكثيرون على الرغم من عدم الإقرار به بشكل مستمر.
ولد جين في السنوات الأخيرة من حكم عائلة مانشو 1904 ، ونشأ في شينغدو، عاصمة إقليم سيشوان، لعائلة من الإقطاعيين الذين تعود على غيابهم طوال الوقت، كانت مكونة من حوالي 50 شخصاً من أربعة أجيال وعدد مماثل من الخدم. ثم انتقلت السلطة العائلية بعد موت أبويه إلى جده المستبد، على الرغم من صعود نجم حركة التمرد الشبابي في تلك الأثناء ووصولها إلى شينغدو.
في بداياته تأثر جين بالأفكار التي كان يحتوي عليها كراس بيوتر كروبوتكين الشهير »نداء للشاب« الذي ألهب مشاعره تجاه النظام الإقطاعي في مرحلة لم يكن قد تجاوز فيها الخامسة عشرة. إلا أن موت جده كان قد عجل بتحول السلطة الإقطاعية العائلية إلى أحد أعمامه الكبار وكان رجلاً متقدماً في السن.
وأخيراً، في سنة 1923، تسنى له الهروب من هذا الواقع لكي يكمل تعليمه في كل من نانكنغ وشنغهاي. كغيره من الشباب الصينيين الذين عاصروا تلك المرحلة، نجح جين في محاولته الثانية الهادفة إلى تجاوز حالة الفوضى التي عمت الصين في تلك الحقبة من سيطرة رجال الإقطاع، حيث استقر في فرنسا في عام 1927.
في باريس، تسنى له الانضمام إلى مجموعة من الشباب المعروفين باسم »الفوضويين الصينيين« ـــ كان قد تأثر بخبر إعدام مجموعة أخرى من العمال الفوضويين في الولايات المتحدة بينهم، نيكولا ساكو، وبارتولوميو فانزيتي. وكان قد سبق له التعبير عن إعجابه الشديد بالفوضوية من خلال الاسم الحركي الذي اختاره لنفسه في عام 1929 وهو، با جين، حيث يرمز المقطع الأول، با، إلى المقطع الثاني المشتق من الترجمة الصينية ل، ميخائيل باكونين، والمقطع الثاني، جين، إلى المقطع الأخير من كروبوتكين.
رغم أن ذلك كان قد تزامن مع بزوغ نجم الثورة القومية الثانية في بلاده، إلا أن عودته إلى الصين لم تشر إلا إلى قدر ضئيل من التقدم السياسي والثقافي الذي شهدته الصين في حقبة كومنتانغ. كانت تجربته خارج بلاده قد امتزجت برغبته القوية في التغيير داخل بلاده، الشرط الذي كان يراه ضرورياً لتغذية موهبته الكتابية التي أبدع فيها فيما بعد. كان قد غادر بلاده لكي يتسنى له فهمها على نحو أفضل، في حين وضعت تلك التجربة بين يديه مجموعة أكبر من الوجوه الصينية ـــ الفلاحين الصينيين ـــ الذين استقطبتهم مؤلفاته الروائية والقصصية.
في تلك الأثناء نشر جين سلسلة من الروايات المتلاحقة ، بما في ذلك رواية، العائلة، وثلاثية »الحب«. في سنة 1934 صودرت روايته »البراعم« وأجبر على السفر إلى اليابان والإقامة مع بعض أصدقائه تحت اسم مستعار. بعودته إلى الصين التي تلت تلك الأحداث، كان قد تحول إلى شخصية بارزة في مجال الأدب، وعلى الرغم من تحلله من الانتماء إلى أي من التيارات الأدبية المعروفة. إلا أنه نجح في التصدي للهجمات الموجهة من قبل مؤيدي النظام الشيوعي الحاكم في تلك المرحلة إلى الفوضويين الإسبان.
في أعقاب إعلان اليابان الحرب على الصين عام 1937 ، تنقل جين بين عدد من المراكز العسكرية، ثم عاد أخيراً على مسقط رأسه شينغدو عام 1941 لكي يفاجأ بموت عمه الخامس أثناء وجوده في السجن. غير أن ما حدث في تلك الأثناء من أشياء منها أفول نجم السيطرة الأبوية كان يبدو متطابقاً مع توقعاته الأدبية.
إلى حد بعيد، ترك إبداع جين الروائي أثراً لا يمكن التقليل من أهميته في بلاده، وفي أوساط المثقفين الشباب على وجه الخصوص. في ثلاثيته الثالثة »نار« التي يرفع الستار فيها عن معركة شنغهاي يسلط الضوء على حياة الجيل الجديد من الشباب الصيني الذي يصفه بالشجاعة والبطولة. وأثناء مرحلة الفوضى التي أعقبت الحرب الأهلية لم يكتب الكثير.
كانت كتاباته في تلك الفترة المرآة العاكسة لحالة الإحباط الناجمة عن الحرب: رواية »جناح أربع« 1964 تصف المعاناة القاسية التي يمر بها موظف في أحد البنوك عاطل عن العمل بسبب إقامته الطويلة في المستشفى وسط ظروف علاجية وشخصية بائسة. أما رواية »الليالي الباردة« فهي سرد كئيب لحياة زوجين شابين يفقدان مثاليتهما، متضمنة الإشارة إلى أن، النصر سيكون حليف هذه المبادئ السلبية. لذا فإن تحيز جين ـــ وغيره من الكتاب الصينيين ـــ إلى الحكومة الشيوعية الجديدة وشعوره بالتفاؤل لا يبدو أمراً مستغرباً في نهاية الأمر.
يصل عدد مؤلفات هذا الكاتب الصادرة في الفترة السابقة لنهاية الخمسينات إلى حوالي 20 رواية بينها مجموعة من الأعمال التي قام بترجمتها إلى عدد من اللغات الأجنبية، وأكثر من 70 قصة قصيرة. وفي فترة لاحقة قام بنفي الكثير من المعلومات الواردة حول علاقته بالفوضوية إلى جانب ادعائه أنه اشتق اسمه الحركي من اسم أحد زملائه أثناء إقامته في فرنسا.
قضى جين نحبه متأثراً بمعاناته الطويلة من مرض باركنسون، على الرغم من مشاركاته في الحياة الثقافي سياسية التي تمثل بعضها في توقيعه على عريضة احتجاج ضد أحداث القمع التي شهدها ميدان تيانانمين أواخر الثمانينات وما تلاه من مطالبته بإطلاق حرية الفن وانتقاده الوجه الجديد للثورة الثقافية الذي تحولت معه إلى موضة عصرية لا أكثر .
جون غتنغس
ترجمة: مريم جمعة فرج