نستكمل في هذه القراءة، جماليات القص عند الجيل الجديد من كتاب القصة القصيرة في الإمارات، لابد من الإضاءة إلى أن هناك قصصاً متميزة كتبها القصاصون الجدد، تنم عن موهبة أصحابها، رغم ظاهرة تراجع جماليات القصة عند بعضهم ومن هذه القصص، قصة (عصافير المساء) من مجموعة (ليلة عيد) لفاطمة المزروعي، قصة (لوحة زيتية) من مجموعة (مواء امرأة) لفاطمة محمد الكعبي، قصة (الليلة الباردة) من مجموعة (ما بعد الطوفان) لعائشة عبدالله محمد، قصة (وريقات امرأة ماتت في السابع) من مجموعة (الرحلة رقم 8) لريا سلطان البوسعيدي، وقصة (ستيك) من مجموعة (أيقونة الحلم) لسارة الجروان.

وحتى تتجلى صورة القص في القصة القصيرة الجديدة في الإمارات لدى ذهن القارىء والمهتم بما حوته من تراجع، تم الكشف عنه في القراءة الفائتة، وجمالية فنية عالية اختصت بها بعض القصص الجديدة، والمشار إليها في مستهل هذه القراءة، وسعياً خلف موضوعية النقد.

قصة (ستيك) بين قوة الشخصية واللغة التصويرية

تعد قصة (ستيك) واحدة من القصص الأكثر تميزاً في مجموعة (أيقونة الحلم) لسارة الحيروان الصادرة من دار الشروق للطباعة والنشر في عام 2003م. لما تمتعت به هذه القصة من خصائص جمالية قصصية. تمثل الخاصية الجمالية الأولى العمق والحيوية التي اتصفت بها شخصية القصة / الزوجة، وتتجلى هذه الصفة من خلال الكشف عن نظرة هذه المرأة إلى زوجها، أثناء رحلة علاجها في الخارج. ولإضاءة نظرة هذه الشخصية لابد من ملاحظتها وسط الحدث في القصة ومنذ بدايتها.

تبدأ قصة (ستيك) بالمدخل الآتي:

توقفنا برهة من الزمن قبل أن تأتي المضيفة ذات الرداء الأخضر لترشدنا إلى إحدى الموائد الشاغرة، طاولتنا تقع في الركن الأول من المطعم المتخصص بــ (ستيك)، إنه أفضل مطعم يقدم هذه الطريقة من وجبات اللحم التي أحبها كثيراً، هكذا قيل لنا هنا في لندن«.

فقد وصفت الشخصية الراوي المطعم وموقعه في القصة، كونه مكان الحدث وحضور النادلة قائمة الطعام واختيار النوع المطلوب من اللحم. تسترجع الشخصية ـــ الزوجة ذكريات هذه الرحلة للعلاج وهي معه في المطعم.

تتذكر الزوجة غياب الزوج عنها حتى عندما تدخل إلى غرفة العمليات رغم حاجتها الماسة إليها. ثم تعود بذاكرتها إلى المطعم، ويتدفق الحوار بينها وبين الزوج، كاشفاً عن تبدل الزوج عن السابق وقساوته المغلفة بالجفاء ونسيان الأيام الجميلة تنتهي القصة بتراجع الزوجة في مشيتها المتأنية، بينما هو يبتعد عنها كثيراً في خطواته، عند العودة إلى المنزل ثم اقتراب منها متسائلاً:

أوعكة هي؟ فترد عليه بحسم: ألا تعتقد بأنني قد أصلح لأكون طبق (ستيك)؟!

عبرت قصة (ستيك) لسارة الجروان عن شخصية قصصية مرسومة بعناية، وصورة نفسية عميقة واضحة، ذات شفافية عالية.

إن عمت هذه الشخصية والحيوية المتمتعة بها تشكل صورة دقيقة من صورة المعاناة الإنسانية وتمثل الخاصية الأولى للقصة المدروسة في هذه القراءة. أما الخاصية الثانية فهي اللغة القصصية المؤثرة والمكتنزة بالإيحاء والصور الجمالية، مع قصرها وكثافتها، الملائمة نصف القصة القصيرة.

والجمل التالية المختارة من القصة ترسم لغة إيحائية، شفت من حاجة الزوجة التي تتوق إليها وهي تدخل إلى غرفة العمليات: أجل كنت احتاجك.. فمددت يدي كاحتياج صحراء قاحلة لاحتضان ديمة وإن كانت من سراب!!. أجل احتاجك كذاك الشريان الذي تحول عنه الدم في قلبي الواهن.

طالعني وجهك المكفهر مبتعداً، وعلى يدها تشد وليس على يدي.

تضيء هذه الفقرة حاجة الزوجة المريضة إلى يد تمتد إليها وهي يد الزوج، وهي تقترب من الدخول إلى غرفة العمليات. ومدى هذه الحاجة العارمة تطل من خلال صورتين تعبيريتين عن حالة هذه المرأة المريضة. الصورة التعبيرية الأولى عبرت عن احتياج المرأة ليد الزوج مثل الصحراء القاحلة المحتاجة إلى احتضان ديمة.

وأما الصورة الثانية، فتمثلت بتصوير حالة الاحتياج مثل الشريان الذي يهب الدم القلب الواهن للزوجة. وكلتا الصورتين تؤكد قوة الاحتياج وذروته عند المرأة المريضة، التي تعادل الحياة ودفقها الحار من جهة. وقساوة الزوج وعناده من جهة ثانية.

واستطاعت القاصة سارة الجروان أن تنقل قمة هذا الاحتياج وانكساره في نفس الزوجة، من خلال المقابلة اللغوية الضدية بين صورة يد الزوجة الممدودة في فضاء فارغ وقاسٍ وهي على سرير العمليات، وصورة وجه الزوج المكفهر والمبتعد ويده تربت على يد المندوبة!!. فهذه المقابلة بين الصورتين تؤكد على عمق الحاجة لدى الزوجة، وجفاء الزوج المراوغ وتحجر قلبه وضميره معاً.

تعد قصة (لوحة زيتية) بين حركة اللوحة الحية والكثافة اللغوية. تعد قصة (لوحة زيتية) واحدة من القصص الأكثر تميزاً بين قصص مجموعة (مواء امرأة) للقاصة فاطمة محمد الكعبي لما اتصفت به هذه القصة من خصائص جمالية فنية.

الخاصية الجمالية الأولى تمثل حالة المزج بين الحركة الحيوية الناجمة عند فعل الاقتراب من اللوحة، واشتراك حواس عدة مع بعضها البعض وهي البصر والسمع والاحساس بالألم في مدخل القصة. مما أضفى جواً قصصياً مشحوناً بالتوتر والإشارة والتشويق عند القارئ. وهذا ما يكشفه المدخل التالي من القصة:

(وكأن ينظر إلي، يئن بصوت بالكاد يسمع يرجوني أن أقترب، فإذا بي أقترب، اقترب أكثر.. اعذرني أني أسمع أنينك، ولكن ليس باستطاعتي الاقتراب أكثر، هنا تنتهي حدود واقعي، وهنا تبدأ حدودك الهلامية.

يرفع من تحت لثامه عينين يطفر منهما الألم، ثمة رغبة مكبوتة في واحة لا أعرف كنهها لكني أعرف أنها تلتقي مع الألم في شيء، أو ربما هي الألم نفسه). من الملاحظ أن تكرار النظر وصوت الأنين وتكرار فعل الاقتراب ودرجته المتعددة والعين المغمورة بالألم والإحساس بها جعل مدخل قصة (لوحة زيتية) مكتنزاً بالإيحاء والدلالة نحو حالة ترقب فياضة بالألم والحزن، مما يفعل فعله لدى المتلقي، ويجعلك متوقعاً لما هو أكثر سوءاً من هذه الحالة، لذا زادت الكثافة اللغوية في المقطع التالي:

(تزمجر فرسه تضطرب، تريد التراجع، يشد عنانها، يحاول تهدئتها، وأنا مستمرة أمامهما لا أفقه شيئاً مما يحدث). فهذه الحركة الدؤوبة في القصة، والناطقة بها لوحة في المعرض، من زمجرة الفرس واضطرابها، وتقدمها أو تراجعها، ومحاولة الفارس تهدئتها، عبر عنها بأفعال مضارعة، للكشف عن تجددها واستمرارها. إن هذه الحركة الحيوية منسوجة بلغة مكثفة وموجزة، كشفت عن طبيعة لغة القص التي تعد الخاصية الثانية في هذه القصة.

أما الخاصية القصصية الثالثة والأخيرة في قصة (لوحة زيتية)، فهي عمق الشخصية القصصية، والنابعة من مقدمتها مع استبطان ما في لوحة المعرض من دلالات وظلال، مثلاً الحزن والألم اللذان تنطق بهما عين الفارس في اللوحة والموت والدمار المحدق به.

من خلال هذه القراءة للقصص القصيرة الجديدة في الإمارات، نخلص إلى خمس نتائج مهمة، النتيجة الأولى تؤكد أهمية دراسة تراجع جماليات القص في القصة القصيرة في الإمارات، كظاهرة فنية نقدية عامة تمس أدب المنطقة في الوقت الحاضر مساً عميقاً.

والنتيجة الثانية تومئ إلى وجود بعض القص القليل الجيد، عند بعض كتاب القصة الجدد في الإمارات، مثل بعض قصص سارة الجروان وفاطمة محمد الكعبي مثلاً، رغم ظاهرة تراجع جماليات القص.

أما النتيجة الثالثة فهي تدل على أن مسابقات القصة القصيرة في الإمارات قد ساهمت في الكشف عن بعض كاتباتها مثل عائشة سعيد الزعابي وسارة الجروان ونجيب الرفاعي، وهذه الأسماء من الأصوات الجديدة، مع ملاحظة أن هؤلاء القاصات لم ينشرن قصصهن في الصحف أو الصحافة الثقافية، قبل المشاركة في المسابقات، عدا القاصة سارة الجروان التي عرفت بنشر بعض قصص مجموعتها (أيقونة الحلم) في الصحافة الثقافية المحلية.

إن النتيجة الثالثة تولد نتيجة رابعة، وهي إذا كان عدد كبير من قصاصي الجيل المؤسس للقصة في الإمارات، نشروا بعض قصصهم في الصحافة الثقافية في منتصف الثمانينات حتى منتصف التسعينات وطبعوا مجموعاتهم القصصية، مثل مريم جمعة فرج وسلمى مطر سيف، ومحمد الحربي وعبد الحميد أحمد وغيرهم.

فإن روافد الصحافة الثقافية لم تعد مهمة بالأصوات القصصية الجديدة، ولا تقدم المحفزات لدعم هذه التجارب، بل هذه الروافد قد شحت، ونضب بعضها، فلم تعد موجودة في الساحة الأدبية، مثل غياب مجلة »شؤون أدبية«، التي نشرت العديد من القصص القصيرة للقصاصين في الإمارات.

أما النتيجة الخامسة والأخيرة في هذه القراءة، فهي أن القصة القصيرة الجديدة في الإمارات في طور التشكل والنماء، خاصة عند الكتّاب الشباب، وبنية القصب غير واضحة المعالم عند بعضهم، لذا تظل الآراء حولها غير دقيقة هي الأخرى، ولابد من الإفادة من الجيل المؤسس لهذه القصة، لأنها ما زالت قادرة على رسم فضاء واسع للقراءة والكشف، وخاصة العوالم القصصية عند ابتسام المعلا ومريم جمعة فرج وعبد الحميد أحمد.

فاطمة السويدي