أصر فنانو »صالون الشباب« بمصر في دورته السابعة عشرة على أن يسمعونا صوت الفن وألوانه الصريحة وحركته في الفراغ وأشكاله المتعددة، رغم مواجهة تحديات كثيرة.. منها ما يكتنف البدايات من مشاكل، وأخرى تتعلق بضغوط اقتصادية واجتماعية، وهو ما يفسر أن أبطال وشخوص العديد من الأعمال الفنية،
جاءت على نحو مكبل، سواء بفعل خارجي أو اختياري لدرجة التوحد، حيث ظهر العديد من الشخوص مقيدين في حالة قرفصاء، ويبدو أنه انعكاس لحالة جيل يخيم عليه شبح البطالة، في ظل مجتمع يعد احتراف الفن فيه كمصدر رزق طريقا محفوفا بالمخاطر، خاصة إذا عرفنا أن وهج الشباب الإبداعي والفني يسعى إلى تجاوز السائد والمألوف من قيم جمالية متداولة، ومع ذلك تباري 228 فنانا على جوائز تتجاوز قيمتها 100 ألف جنيه.
لكن أبرز ما في موضوع الجوائز هو دعم كيانات من المجتمع المدنى للشباب علاوة على الجوائز المعتادة للصالون، حيث قدمت »11« جهة جوائز باسمها، ومنها أفراد كالمطرب الفنان محمد منير فيما شاركت نقابة الفنانين التشكيليين، وجمعية نقاد الفن التشكيلي، وجمعية أصالة، وجمعية محبي الفنون الجميلة، والمركز الثقافي »ساقية عبدالمنعم الصاوي«، وجمعية فناني الغوري، اتيليه القاهرة، مكتبة الإسكندرية، الجمعية الأهلية للفنون الجميلة، ونقاد الفن »الإيكا«.
وعلى جانب آخر، شهد افتتاح المعرض غضب العديد من المشاركين الذين لم يحظوا بجائزة أو ممن كانوا يأملون في جوائز أكبر، لدرجة أن أحدهم قام بتوزيع منشور على الحضور يندد فيه بنزاهة لجنة التحكيم التي يرأسها الفنان د. حمدي عبدالله المستشار الثقافي في السفارة المصرية بصنعاء، وعميد كلية التربية الفنية السابق.
فيما تضمن المنشور عدد الأيام التي استغرقها الفنان في عمله ـ وهى 70يوما ـ بالإضافة لصعوبة التعامل مع خامة »البازلت« التي نفذ منها عمله النحتي، ومع ذلك يقول د. أحمد نوار رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية: دائما ما يأتي صالون الشباب كل عام ليرسم واقعا جديدا يتشكل من رؤى وأفكار يرسمها الشباب، لتكشف عن ملامح هذا الواقع، وأيا كانت مظاهر وشكل الظواهر التي تطرحها حركة الشباب وتفاعلهم مع محيطهم باختلاف أساليبهم، إلا أن طموح الشباب في الغالب نراه يلامس مسارات المستقبل المنظور عن قرب.
وفي واحدة من ظواهر الصالون هذه الدورة اشترك العديد من الشباب في موضوع واحد هو التعبير عن حالة أشبه بالتوحد أو الانطواء والانكفاء على الذات، فنرى فيروز سمير عبدالباقي (1972) تجسد الانسحاب من الحياة الفاعلة من خلال المقولة الشهيرة لا أريد أن أسمع أو أرى أو أتكلم، عندما رسمت فتاتها..
وقد تكورت حول نفسها في ثلاث لوحات يجمع بينهم سيناريو واحد بعد أن شحنت كل لوحة منهم بفقدان حاسة من الثلاث حواس، في دلالة رمزية على واقع جيل.
وبنفس القانون اشتركت معها عواطف عبدالعال حسن باستثناء أن عواطف دفعت بطلة لوحاتها إلى الفعل لكن في حالة الثبات وأن جاءت اللوحة الوسطى للفتاة وهى في حاله انكفاء تام!
في الوقت الذي جاءت فيه بطلة لوحة »ميريت صالح بكير«، في حالة تجمع بين الاستسلام والنوم وهو الموقف الذي اتخذته سيدلة لوحة عمرو الكفراوي عندما أضاف إلى المشهد مدفأة في دلالة على اختيار منطقة دافئة للانسحاب والنوم والاستسلام!!
ونفس الأمر يتكرر لدى أحمد رومية (1975) ودينا السيد وإذا كان عمر الكفراوي اختار المدفأة لبطلة لوحته فقد اختار علي سيد حسان أنبوبة غاز البوتاجاز لسيدة أخرى في عمل بعنوان (استنشاق خاطئ) فقد حاصرت أنابيب الغاز السيدة من كل اتجاه وكأنه يقول لنا إنه حصار اجتماعي مقصود يصل إلى حد القتل العمد وإن غابت الدوافع لكن سيدة لوحة سماح مرسى عبدالعزيز تعاني من البرد لكونها عارية في حالة انكفاء.
بينما توارت بطلة لوحة سمر السيد.. خلف ساتر من حصار أيادى الغواية المتربصة، في الوقت الذي توحشت فيه شخوص محمد طلعت (1976)، ويتجه محمد عبدالفتاح إلى إحالة رؤوس شخوصه إلى الفراغ بالقطع خارج إطار اللوحة محتفظا بالأجساد فقط في حركتها الرتيبة النمطية!.
واتخذت مروى الشاذلي (1983) من التجريد أسلوبا عندما حاصرت اللون الأصفر ضمن خطوط ومساحات حادة بنية وألوان قاتمة في دلالة على احساس بالغربة، ويشاركها في التجريد أحمد الليثي لكن عندما نحت في الحجر بخطوط حادة وإذا كانت شخوص »معتز صديق« في 1977 في حالة حيرة، فبطل لوحة مينا نصر تادرس اختار الظلمة والانكفاء.
أما مفجر هذه الحالة من الهلع والخوف والانسحاب كتعبير عن القهر في لوحاته في الصالون الماضى.. هيثم نوار فقد اختار وضعا مقلوبا للشخص الذي كان في لوحاته الحرة السابعة خائفا وفي لوحة أخرى مسجيا مستلبا كأنه في حالة وداع أبدى.
وليست بعيدا عن ظاهرة الانكفاء التي سيطرت على اعمال كثيرة في المعرض تميزت لوحات هاني راشد عندما صور في 30 عملا مربعا مساحة كل مربع (40 في 40) حركة الإنسان في شوارع المدينة، حيث سيطر عليه إحساس طاغ بالغربة والدهشة والحذر والترقب.
وجسد محمد محمود شكري عملا مركبا وتجهيزا في الفراغ في شكل الكرة الأرضية محولا خطوط العرض والطول إلى أسياخ من الحديد المبروم يحتضن بضغط على ركام من المهملات والأخشاب القديمة في الوقت الذي علق على عمله عبارة »الخيال أهم من المعلومات والمعرفة«.
أما الفنان السكندري محمد عمر طوسون فيقوم بتوظيف الضوء في عمله المجهز في الفراغ على نحو متميز عندما أخرجه من الأنابيب وجمع أحمد الشاعر بين التجهيز في الفراغ والفييو آرت، وجسد محمد رضا الصياد استلاب الإنسان أمام شاشات التليفزيون وأحال حسام الدين سعد المركب تحت الإنشاء إلى مريض يعاني من المرض على نحو رمزي طبعا، وقدم إبراهيم محمد عبلة خطاب الشارع اليومي من خلال عمله الفيديو آرت تحت عنوان »نعم، لا«.
ومن ضمن 21 فنانا عربيا مشاركا في الصالون تميز عمل الفنانة »بدور بنت عبدالله«، (1977) بالجرأة عندما اخترقت موضوعا من التابلوهات الشهيرة وهو الجنسية وجسدت دهشة بطلة العمل المجهز في الفراغ من صدمة الأماكن المغلقة.
القاهرة ـ سيد هويدي: