لاشك أن توفر الحرية يوفر القدرة على التعبير، وكلاهما في الغالب يؤمنان الوصول إلى المعلومة الموثقة، ويتيحان السعي الجاد لتقصي الحقيقة، مما ينتج مادة حيوية تفتح شهية المتلقي لها؛ الأمر الذي تحقق للكاتبة الصحافية الين حلاق في إعداد كتابها »الخلوي أشهر فضائح العصر«، وقد رصدت 400 مخالفة.

ومن خلال الطبعات المكررة للكتاب يتضح مدى الإقبال على هذا النوع من الإصدارات، . والكتاب ليس عملا أدبيا بديعا؛ لكنه عمل صحافي بارع؛ يعكس وظيفة، الصحافة الحقيقية.

في جزء من مقدمة كتابها تقول:»قليل المال تصلحه ولا يبقى الكثير مع الفساد، وهو حالنا في لبنان الذي كثر فيه الفساد عند الطبقة الحاكمة، وقل فيه المال عند المواطنين، وباتت القطاعات العامة العائدة للدولة مستباحة لكل من تسول له نفسه مد اليد على ما لاتجد الرقابة الرسمية منفذا إليه.

اليوم الخلوي وغدا الكهرباء وبعده الماء والى ما هنالك من املاك عامة، حتى تتجرد الدولة من كل ما يؤدي إليها من قطاعات؛ يمكن أن تنهض البلاد من كبوتها الاقتصادية؛ إذا ما أحسن استخدامها، وخضعت لإصلاح إداري بكل ما للكلمة من معنى؛ في حين تسمع صدى خزينة الدولة الخاوية؛ تصفر فيها رياح الهدر والمحسوبيات، ويقبع الفساد على عرشها«.

تطرح حلاق أسئلة حول جدية إصلاح بلدها لبنان، وحول صحة الطريق المتبع والمنهاج المطبق في مسيرة إعادة التأهيل والاعمار. وإن كان من أهمية لكتاب الين حلاق؛ فذلك لان الفرد العربي على العموم مشغول بهمه الأول، وهو السعي وراء لقمة العيش؛ تاركا مبدأ البحث عن الحقيقة أمانة في أعناق حملة الأقلام من أصحاب الضمائر الواعية؛ أولئك الذين تكفلوا،

وتكفنوا من اجل التعبير الضمني، والعلني عن الشعوب وحاجات المجتمع، وهو العهد الذي تبنته الكاتبة والمؤسسة التي تنضوي تحت كادرها الوظيفي حيث تعمل. وحيث تم تسليط الضوء على قضايا عامة في قطاعات الدولة عاهدت على محاربتها لكونها بئر فساد.

تقول حلاق إنهم عمدوا في »النيو تي في« على بث الحقائق في مواضيع قدمت في نشرات الأخبار صوتا وصورة، ووصلت حد الاتهام بالمبالغة حينا والتحامل أحيانا وعدم الموضوعية.

وتعرّف حلاق الخصخصة اقتصاديا حيث تعني » نقل الملكية العامة، وإسناد إدارتها إلى القطاع الخاص، وتشير إلى أن الخصخصة تأخذ أسلوبين الأول: هو بيع أصول مملوكة للدولة الى القطاع الخاص، والثاني هو ان تتوقف الدولة عن تقديم خدمات كانت تضطلع بها في السابق مباشرة،

وتعتمد على القطاع الخاص في تقديم تلك الخدمات. اما بالنسبة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهما الإدارة الأميركية للسيطرة على مقدرات الدول، وفي طليعتها الدول النامية.. فإن الخصخصة لهما تعني الانتقال من القطاع العام الى القطاع الخاص بالمعنى الواسع للكلمة،

وهذا الانتقال لايشمل بيع أصول الدولة وموجوداتها فحسب؛ بل كذلك إضفاء الطابع الخاص على إدارة أوجه نشاط الدولة؛ عن طريق العقود والإيجارات، والتخلص من أوجه نشاط كانت الدولة تقوم به«.

ويرجع تاريخ أول عملية خصخصة التي توصف اليوم بأنها ظاهرة عالمية - حسب الكتاب - إلى أميركا حيث سمحت بلدية نيويورك لشركة خاصة عام 1976 بالقيام بأعمال نظافة شوارع المدينة؛ ليمتد بعد ذلك إلى قطاعات عديدة منها الكهرباء التي ترتفع الشكوى منها اليوم مثلا في مدينة كالفورنيا؛

حيث ينقطع التيار الكهربائي باستمرار؛ مما دفع مجلة ايكونومست الى التحذير من تأثير الأمر برمته على الولايات المتحدة. هذا الشبح المسمى الخصخصة حط رحاله أيضا في بريطانيا من خلال البرنامج الشامل الذي نفذته حكومة المحافظين بزعامة مارجريت تاتشر،

وتحديدا عام 1979 وقد تضمن البرنامج تحويل مشروعات وأنشطة القطاع العام الى القطاع الخاص، واليوم هذا البرنامج يلاقي انتقادات المحافظين أنفسهم لتعثر عمليات الخصخصة، وخصوصا في القطاع الصحي حيث أصبحت حالة المستشفيات مزرية.

وتعرض حلاق لخطورة الخصخصة المتمثلة في تحويل الأرباح والفوائد والمداخيل والتوزيعات؛ التي يجنيها المساهمون الجدد خصوصا الأجانب وتأثيره على زيادة العجز في ميزان المدفوعات.

سيصبح للأجانب المستثمرين نصيب من الدخل المحلي المنخفض، وهو يتضاعف مع زيادة تحويل الديون الى حقوق ملكية، وسيظل مستمرا طالما بقيت المشاريع مملوكة للأجانب. وتستعرض الكاتبة أمثلة تؤكد أن الخصخصة ليست دائما الحل الأنسب لتحسين أداء المؤسسات، ومساعدة المالية العامة مضيفة أن العديد من الدول الأوروبية كألمانيا وهولندا جمدت عملية الخصخصة لديها.

ونجد لذلك رصدا مثيرا يبدأ من الصفحة 18 حتى الصفحة 23. وتستند إلى كتاب »سرقة الشعب« للمفكر البلجيكي جيرار دي سييليس؛ حيث وصف عمليات الخصخصة التي تمت في العقدين الماضيين بأنها اكبر سرقة في التاريخ .

كما تستند إلى رأي الخبير الاقتصادي اللبناني وليد صليبي الذي يقول إن »الخصخصة تحرم البلدان النامية عائدات مهمة، وتعزز البطالة. ورأينا كيف أن الخصخصة هي من الشروط الرئيسية لصندوق النقد الدولي،

وحجته في ذلك؛ أن القطاع العام قطاع فاشل، وخصوصا في البلدان النامية؛ لكونه يستخدم فائضا من الموظفين مما يزيد النفقات الحكومية غير المنتجة للحكومة كما يزيد من موارد الدولة ويفتح الباب أمام الأموال التجارية للاستثمار داخل البلد المعني«.

وبطبيعة الحال فإن الكاتبة تركز على الخصخصة في لبنان، وهي بالنسبة لها قصة طويلة تتمحور حول قطاع الهاتف الخلوي، وما رافقها من صفقات، وجميعها هدفت الى بيع الوطن بحفنة دولارات، وقد دعمت كتابها بــ 55 مستند رسمي موثق.

فاطمة محمد الهديدي