يطرق الأديب يوسف أبو رية في روايته الجديدة »عاشق الحي« عالماً جديداً وأجواء بكراً لم يسبق له أن خاضها في أعماله السابقة وهو عالم الأساطير والخرافات الذي يبدو من الوهلة الأولى صادماً للأجواء الريفية التي كان يفضلها وبتناوله للأساطير والخرافات يشق أبورية لنفسه منحى جديداً في مسيرته الأدبية.

ويثبت قدرة مدهشة في تطويع الأسطورة لصالح العمل فلم يكرس »عاشق الحي« لرصدها وتحليلها وكيفية تغلغلها في وجداننا وتحكمها في الكثير من مواقفنا وتصرفاتنا في الحياة.

وإنما لإبراز معنى الاغتراب والغربة والوحشة والافتقاد وعاشق الحي تجربة للمعاناة في عشق كل كائن حي أو حسبما يقول في حواره لــ »البيان« عاشق الحي هو الذي يخرج من عالم الموتى .

وقوة العشق هي التي دفعته للخروج ليستعيد الحبيب وهو يحمل نزوعاً إلى التعلق بالمكان قد يكون مكان النشأة الأولى وقد يكون الوطن بشكل عام والى نص الحوار.

٭ اختيارك للأماكن الفرعونية في الرواية هل جاء متعمداً لإبراز الأساطير والخرافات؟

ـــ اختياري يعود للاستفادة من خصوصية اسطورة المكان وخاصة مدينة تل بسطة وهي تعريب الاسم الفرعوني بوست في الأسرة 21 و22 من العصر الفرعوني .

وهو اسم القطة »بس« وحتى الآن عند مدخل مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية نجد تمثالاً من الجرانيت الأسود لقطة والرواية تقوم على تجلي فضاء إبداعي يعبر عن مكان له خصوصية الطقوس .

والشعائر والعادات والتقاليد والموروث الشعبي المشترك فهذا المكان ليس جغرافيا جامدة من تضاريس وتشكيلات تقع على مشرف الوادي والدلتا.

ولكنه تاريخ المكان أيضاً الذي له خصوصيته، والجديد في هذه الرواية أن انبعثت الأسطورة من المكان عبر حكاية تنزع إلى المخيلة الشعبية حين ينبعث القط الأسود وهنا استلهم المخيلة.

وليست وقائع التاريخ لتسجيلها بوقائعها المسجلة لأني صنعت اسطورتي الخاصة وأصدم القراء منذ السطر الأول من الرواية، بأن الأستاذ دسوقي وزوجته سميرة يجلسان على مائدة الغذاء.

والباب (موارب) فيدخل قط ويجلس على المائدة ويحدق في الزوج طويلاً فيذهب الزوج من هذا التحديق ويقول من باب المداعبة (عجباك خذها) على أساس أن هذا من الاستحالة.

ولكن يفاجأ بالفعل باختفاء القط وزوجته في لحظة واحدة، وتقوم الرواية على بحث الزوج عن زوجته وهذه الرحلة تبدأ من المعبد الفرعوني الذي تقيم به القطط إلى الشعوذة والدجالين إلى مسجد الحسين، وتدور أحداث الرواية.

٭ كيف تفسر تقسيمك للروية إلى ثلاث أقسام (غياب في التراب) والثاني (غياب في الرمل) والثالث (غياب في الغياب) مما يفقد العمل الوحدة والاخلال بالبناء ولماذا لم تكتبها بسردية واحدة؟

ـــ الوحدة موجودة في الرواية وهي قد قامت على الفقد أو الغياب حين يفقد الانسان شخصاً يعشقه ففي الجزء الأول غياب في التراب يقوم على الرواية التي سبق ذكرها وبحث الأستاذ دسوقي عن زوجته.

والجزء الثاني (غياب في الرمل) عبارة عن الشكل القديم للرواية القائم على الرسائل المتبادلة وهنا الرسائل بين الزوج العاشق لزوجته الغائبة التي تعمل في أحد دول الخليج أما الجزء الثالث.

وهو (غياب في الغياب) وهو الذي تم فيه مزج الشخصيات الواقعية للكاتب والزوجة الغائبة وبين دسوقي وسميرة وصلاح وهم الذي عبر عنهم بشكل خرافي يقوم على الموروث الشعبي.

والجدي في الأمر أن هذه المعشوقة ليست خارج الشرعية بل هي زوجته فدائماً ما يهرب الكتاب في رواياتهم إلى المعشوقة التي يقضي معها بعض الوقت دون أن تربطه بها التزامات كي يبعد بها عن الزوجة.

ولكن هنا المعشوقة في الرواية هي الزوجة التي يبحث عنها زوجها بعد اختفائها في الجزء الأول وكذلك هي في الجزء في الثاني والثالث فحب الزوجة الغائبة سواء بالفقد أو السفر عامل مشترك في وحدة الرواية.

والرسائل التي كتبت للزوجة في الجزء الثاني أتمنى أن تعلم الأجيال الحالية الحب وأن تكون هذه الرسائل مثل الرسائل التي يبعث بها الشباب إلى محبيهم وأن يكون موجود بمعناه الإيجابي وليس السلبي.

٭ بماذا تفسر اختيارك لأسماء رواياتك بأسماء لها علاقة بالحب مثل تل الهوى وعاشق الحي وأعمال أخرى؟

ـــ أنا عاشق من الدرجة الأولى وأنزع دائماً إلى حالة العشق بمعناه المثالي وميل إلى حالة الحب في العشق والهوى من درجات الحب وأقصر من الكلمات التي تحمل معاني الحب.

والوله ففي تل الهوى كان اسم لمكان لكنه كان يقوم على حالة الهوى الذي أخذ بفتاة إلى أن ينال منها البطل فتسقط في تل الهوى وهنا أيضاً الهوى أي السقوط فأنا لا أختار عناوين أعمالي عبثاً.

٭ هل ترى أن هناك ما يشبه الوحدة التي تنضوي تحتها أعمالك؟

ـــ بالفعل هناك ما يشبه الوحدة التي تشمل كل الأعمال بل لدي مجموعات قصصية لو تم تكملتها تصل إلى أن تكون رواية بصفة مختلفة المجموعة القصصية نفسها تحكي حكاية على بعضها فمنذ مجموعتي الأولى.

وحتى الأخيرة توجد وحدة عضوية فهناك ما يجعلها حكاية متكاملة مثل (الضحى العالي) فهناك من أول مدخل المجموعة في البدء كان النهر وأحكي حكاية نشأة القرية، ثم تبدأ الرواية من أطفال تصنع من عالم الطين عالماً موازياً لعالم الكبار يصاغ في قصة طفل الطين وأعدت نشرها للصغار، لأن النص يصلح أن يكون للصغار والكبار.

ومن هنا شد انتباه النقاد فكرة الرؤية الطفولية للعالم وفي المجموعة الثانية عكس الرياح قال عنها أحد النقاد ان هذه رواية متكاملة لإنها تحكي حكاية واحدة شاملة لا يوجد بها تنافر.

وأقول إذا كانت القصة القصيرة غرفة في بيت فالرواية هي البيت الواسع الذي يسمح البراح وتأكيد الشخصيات أكثر وهناك نوعان من الكتاب الأول يضربون في كل موقع يغردون على كل غصن والثاني يظل مخلصاً لمنبع واحد يحفرون فيه عميقاً حتى يصلوا إلى منابع المياه فيه مثل نجيب محفوظ.

القاهرة ـــ محمد الصادق: