أبدت ألمانيا اهتماماً واضحاً خلال السنوات الأخيرة بالإسلام والثقافة العربية في مواجهة إيجابية لما أثير من سوء فهم للإسلام إثر الأحداث التي وجهت فيها أصابع الاتهام إلى جماعات إسلامية، استغلتها بعض العناصر الصهيونية والغربية الإنجيلية المتزمتة ذريعة لمحاولة لتشويه صورة الإسلام والثقافة العربية.

تمثل هذا الاهتمام في ألمانيا في تظاهرات وأنشطة عدة في مختلف ولاياتها، وإلى جانب معرض فرانكفورت الدولي للكتاب العام الماضي.

حيث كانت الثقافة العربية محوره الأساسي, نشطت حركة ترجمة الآداب العربية إلى الألمانية وأقيمت معارض عديدة من بينها معرض ضخم عن أفغانستان في مدينة روزينهايم عام 2004 عن جغرافيتها وتاريخها .

وفنونها مزود بالخرائط والصور والنماذج بل والمحاصيل، وشهد العام الحالي معارض وتظاهرات عديدة ففي متحف مدينة دوسلدورف معرض »الشرق الجديد«، وفي بون معرض »الفن العربي في دول الخليج«، كما أقيم معرض عن النسجيات المغربية، ومعرض في برلين عن اسطنبول مدينة عالمية.

وفي هامبورج معرض صورة الشرق في الغرب وتنتشر المعارض الفردية لفنانين عرب معاصرين، وقد تأسست »جمعية أصدقاء الفن والحضارة العربية« في ميونيخ وتقوم بأنشطة في مجالات الأدب والسينما والموسيقى والسياسة.

وفي قلب مدينة ميونيخ العاصمة الثقافية لألمانيا يقام بالمتحف الإثنولوجي.. المخصص لحياة الشعوب وثقافاتها معرض كبير عنوانه »الإسلام مازال يلقى إقبالا«، وفي قاعة المحاضرات تعقد ندوات بمشاركة باحثين وأكاديميين تناقش قضايا متصلة بالإسلام والعالم الإسلامي.

تواجهك في زيارتك كلمات بخط كبير جميل باللغة العربية: »قوت النفوس«، »غذاء الروح« وباللغة الأوردية »روح كي إذا«.

أشرف على إعداد المعرض والنشرات مسؤول قسم الشرق بالمتحف الدكتور بورجين وسيم فريمبجين. وهو باحث له أكثر من كتاب عن الإسلام والبلاد الإسلامية وفنونها ويقول في تقديمه للمعرض إن القصد منه أن يقيم جسرا مع المسلمين في ألمانيا.

وأن يؤسس لحوار إيجابي مع عقيدته وثقافته الإسلامية مع تأكيد أن هذا التوجيه نحو الإسلام لا يجب أن يفهم بأي حال مرتبطا بما نسب من عنف بعض الحركات الأصولية الإسلامية اليوم ـــ بل بالعكس ـــ فإنه في هذا الكون الذي نعيش فيه هناك عقائد قائمة على أعراف وتقاليد.

واتجاهات مختلفة كلها محل احترام ويضيف أن المكونات الأساسية للإسلام هي: الروحانية والأفكار الدينية والشعائر..

وينعكس الإسلام على أشكال للتعبير الفني والثقافة اليومية. ومن هذا المنطلق يرنو المعرض إلى أن يقدم تفهما أفضل للقصيدة والفن وأشكال الحياة في المجتمعات التي تمتد من جبال أطلس غربا حتى جبال هند كوش وأطراف آسيا شرقا والتي شكلها الإسلام. تحمل القاعة الأولى عنوان »ديانة الإسلام« والإسلام.

ـــ كما يشرح هنا المستشرق الألماني الدكتور بورجين وسيم فريمبجين.

تم تأكيد أنه في الثقافة الإسلامية تكون العقيدة والفن تركيبة فعلية فالأشكال الفنية ترتبط في حميمية بعالم العقيدة، والفنون في جوهرها تأملية.

ومن الناحية الجمالية تدعو للبهجة وتبدو في انسجام، مستجيبة للمسة الروح وفوق كل شيء فإن قيمها الجمالية تخدم الأهداف الدينية فهي لا تنتمي إلى الفن من أجل الفن فإن الأبعاد الروحية للإسلام أم أسس الفن يناقش الدكتور وسيم فريمبجين موضوع غياب الصورة في العقيدة الإسلامية باعتبار أن الله هو الخالق الوحيد يعود .

ويقول إنه لم يرد في القرآن ما يدل على تحريم الصورة أو إباحتها ولكن التصوير لم يستخدم في خدمة الدين فلم يدخل المسجد كما دخل الكنيسة لكن زخرفة الجدران عن طريق الفسيفساء عرفها المسلمون .

وهناك زخارف فسيفساء على قبة الصخرة من عهد عبد الملك بن مروان بالجامع الأموي بدمشق صور فسيفساء مستمدة من البيئة السورية ومجالس الخلفاء العباسيين كانت الجدران مزخرفة بالصور وقد اكتشفت بعثة ألمانية صورا مرسومة على الجص في سامراء, وكذلك أشكال طيور وحيوانات وفي العصور الوسطى الإسلامية.

في ظل النظم العثمانية والفارسية والمغولية والهندية أخذ فن التصوير ينهض من خلال زخرفة الكتب والأعمال الفخارية والمعدنية والنسيجية، بصور الحكام ومشاهد الصيد وتصوير حياة البلاط وكذا الحيوانات وفي القرن التاسع عشر ازدهر فن نسيج السجاد في إيران.

كما ازدهر فن المنمنمات وفن الخط في قصور الأسر الحاكمة الإسلامية، كما في تصوير القصائد الملحمية في الكتاب الإيراني »كتاب الملوك« الذي يجمع في انسجام بين النص والرسم.

ويضم المعرض نماذج من رسوم المنمنمات والكتاب، التي صدرت في عهد أسرة الصفويين في إيران في القرن السادس عشر والسابع عشر وفي عهد الحكام المغول بين القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر بجنوب آسيا وقد استمر الاهتمام بفن المنمنمات حتى اليوم في مدينة لاهور بالبنجاب بباكستان، وتعني به خاصة كلية الفنون الوطنية.

معرض منمنمات معاصر

ولعل هذا ما دعا المتحف إلى إقامة معرض خاص مجاور للمعرض الكبير عن الإسلام لفنان المنمنمات الإيراني المعاصر بارفير مسعودي الذي ولد في إيران عام 1946 ورحل عام 1971 إلى إيطاليا وألمانيا ودرس بكلية الفنون في شتوتغارت.

وعاد إلى إيران بين 1979 و1991، ثم عاش ببلدة مورناو بألمانيا المعروفة باستوديوهات الفنانين بين 1991، و1998 حيث شارك في تأسيس جماعة للفنانين التشكيليين في بافاريا وشارك في معارض جماعية وفردية في ألمانيا وسويسرا وفي وطنه الأصلي إيران.

تظهر في أعماله منمنماته مؤثرات فارسية وغربية ونوازع صوفية تثير التأمل.

وتضم قاعة أخرى نموذجا لإحدى الثقافات الإقليمية بالشرق، فقد اختيرت بعض مناحي الحياة اليومية للناس في إقليم البنجاب أو بلد الأنهار الخمسة, الذي انقسم بين باكستان والهند وله دور هام في نشر الإسلام في جنوب آسيا.

تعرض في هذه القاعة عناصر هندسية معمارية أصيلة يمتد تاريخها بين القرنين الثامن عشر والعشرين تصور حياة الناس أثناء ممارستهم لشعائرهم الدينية وكذا أثناء استمتاعهم بوسائل الترفيه هذا جماع مرمري أقيم في حديقة لأحد النبلاء في العهد المغولي بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر .

وفي الجانب المقابل نجد واجهة لضريح أحد الأولياء من مدينة مولتان القديمة جنوب البنجاب تعود إلى مطلع القرن التاسع عشر.

وتسمح النافذة بأن تلقي بنظرة على داخل الضريح الذي يمتد فيه خط يفصل بين هذا العالم والعالم الآخر ويتشفع الزوار بالولي راجين بركته وقرب الضريح هناك مقبرة صغيرة تضم رموزا جنائزية.

ويضم الجانب المعماري بيتا في وسطه فناء داخلي وبابان منبعجان مصنوعان من خشب الورد جلبا من كالار كاهار، ونجد أشكالا زهرية تعود إلى العهد المغولي.

القاهرة ـــ فوزي سليمان: