كيف يرى كل منا نفسه؟ سؤال يلقي الضوء على بعد مهم في حياتنا. إن من يتعرف إلى نفسه يتسنى له التعرف على أشياء كثيرة أخرى. تساءل... من منا لا يرغب في اقتناء صور ذاتية لشخصيات مهمة مثل شكسبير، أو هتلر، أو فرويد أو غيرهم من رجال السياسة مثلاً؟ إذ أن ما لدينا من صور عادية قليلة لهؤلاء لا يبدو كافياً بالنظر إلى ما يحتوي عليه من مراوغة.

على الرغم من أن بإمكان أي منا أن يؤلف كتاباً عن سيرته الذاتية يضمنه شيء من نظرته الفعلية إلى نفسه. إلا أن هذا الأمر لا يبدو في متناول كل منا، حتى لدى محاولتنا القيام بذلك. فعلى سبيل المثال، هنالك صور ذاتية رسمها د. هـ. لورنس لنفسه، لم ترق إلى درجة الإفصاح عن شيء.

وكذلك تبدو صور المؤلف الموسيقي شوينبيرغ. والشيء ذاته ينطبق على اللوحات التي رسمها »الفنان«، هتلر، لنفسه في مرحلة مبكرة من شبابه. تتساءل.. من منا لا ينظر إلى نفسه في المرآة؟

إن لكل منا ذاته ولكل منا صورة محددة عن هذه الذات. بالإضافة إلى تلك الرغبة بأن يعرفه الآخرون. وأخيراً فإن من حق كل منا أن يرسم صورة لنفسه.

لننظر إلى هذه الرغبة ثم نتساءل: ما الذي يجنيه الإنسان من رسم صورة ذاتية لنفسه؟ ولماذا نعطي هذه المسألة، على وجه التحديد، أهمية خاصة؟ ما هو الشيء الذي تمنحنا إياه الصورة الذاتية ولا تمنحنا إياه الصورة العادية؟

بالعودة إلى الوراء، إلى القرن السابع عشر، كان كريستوفاني ألوري قد رسم صورة لنفسه جسد فيها رأساً، ميتة، متجهمة، تتدلى من يد امرأة ممسكة بها من خصلات شعرها. كانت اللوحة تحمل عنوان » جوديث تحمل رأس هولوفيمس «. وكانت تلك المرأة حبيبته السابقة.

وكما تبدو لمشاهدها فإن هذه الصورة لا يمكن مضاهاتها حتى بتلك الصور التي عبرت فيها الفنانة المكسيكية فريدا كالو عن فكرة التحول إلى ضحية. إلا أن ما يلفت الانتباه إليها هو أنها تبدو شديدة المعاصرة.

غير أن ما يلفت الانتباه بصورة أكبر هو ذلك الاختلاف الذي يظهر بين الصورة التي تظهر فيها ملامح الوجه والصورة التي تظهر فيها ملامح الذات الذي لا يكاد يكون واضحاً.

حيث لا شيء يميز بين من يقف أمام فنان وبين من يقف أمام المرآة. إن أبسط مثال على ذلك هو أن بإمكان أحدنا أن يتخيل أن لوحة »السيد بيرتن« الضخمة التي رسمها فنان القرن التاسع عشر الباريسي إنغريس لنفسه كان قد رسمها فنان آخر لنفسه.

إن جمالية هذه الصورة، في الحقيقة، تكمن في تعبيرها عن كل من صيغة الغائب، وصيغة المتكلم في آن. فهي صورة رائعة تحتمل التفسير على المستويين.

وهكذا فإن ما ينطوي عليه مفهوم الصورة الذاتية قد يشتمل على أبعاد أخرى، حين يفهم منها أن الشخصية التي تجسدها غالباً ما تكون مشغولة برسمها، أو بحمل فرشاة ومزّاجة ألوان، ربما بدت ممسكة بها بشكل خاطئ. في أثناء تسديدها نظرات مستقيمة أو موزعة في اتجاهين، مع ظهور ثلاثة أرباع الوجه.

حيث يتطلب رسم هذا النوع من الصور السرعة الفائقة في التنقل بالعين بين كل من المرآة ومزّاجة الألوان، أثناء الاحتفاظ بالرأس في وضعية مستقيمة، ما قد يشترط نوعاً من التركيز غير العادي. أضف إلى ذلك أنك ربما شاهدت إطار المرآة في إحدى تلك الصور.

وفي مجملها فإن ما قد تراه أمامك ربما كان ينطوي على رسالة متضمنة بأن ما تشاهده صورة ذاتية. على الرغم من أن الكثير منها قد لا يتضمن شيئاً من ذلك. لو شاهدت، على سبيل المثال، لوحة، سوزان فالادون »الغرفة الزرقاء « التي تظهر فيها امرأة ضخمة بالبيجاما أثناء استرخائها على الفراش، واضعة السيجارة في فمها.

فستكتشف أنها الفنانة نفسها. أو نظرت، مثلاً إلى اللوحة التي يقال بأن »مانيه« هو من قام برسمها، والتي تظهر فيها الرسامة » إيفا غونزاليس « حاملة الفرشاة ومزّاجة الألوان مشغولة برسم الزهور.

هذه اللوحة قد يتم تفسرها على أنها صورة ذاتية إذا لم يكن لدى المشاهد ما يسعف على اكتشافها. إن رسم الصور الذاتية قد لا يكون مرتبطاً بالضرورة بمشاهدة المرآة. وفي هذه الأثناء يصبح أكثر ارتباطاً بالتواصل بالعين.

على الرغم من إدراكنا لخلفية كل من هاتين الصورتين. إلا أن أننا قد نجهل هذه الجزئية في الكثير من الأحيان. وإذا كنا نعرف خلفية هذه الصور، فإن مئات الصور لا تزال مجهولة الهوية إلى يومنا هذا، مثال على ذلك.

صورة الرجل الشاب التي نشاهدها في معظم صالات عرض اللوحات الفنية، التي لا يعرف اسم الفنان الذي قام برسمها والتي ربما أوحت للآخرين بأن عنوانها قد يكون »صورة الفنان في شبابه « أو » صورة رجل شاب «. هذه الصورة لا يمكن التكهن بخلفيتها وهي بذلك مرشحة لأن تظل مجهولة لفترة طويلة من الوقت.

بالإضافة إلى ما قد تنطوي عليه من سمات الخداع، فإن هناك ما يمكن أن يطلق عليه »الصورة الذاتية المستعارة ملامحها من شخصية أخرى«. إن كل ما يتطلبه رسم هذا النوع من الصور هو الخيال الواسع.

حيث ذلك الفنان الذي يقوم برسم صورة لأحدهم، لكي يضيف إليها بعضاً مما يشير إلى ملامحه الشخصية مثل أدوات الرسم التي يستعملها، أو أي لمحة جانبية وغيرها مما يتعلق بملامحه. حيث الفكرة الأساسية التي يستند إليها الفنان والتي تكمن في قدرته على تخيل أن من يقوم برسم الصورة هو الشخص الجالس أمامه.

والواقع، أن هنالك الكثير من هذه الصور، أو ما شابه. هنالك إحدى الصور الأخيرة لرامبرانت، الصورة الأكثر شهرة، على الرغم من أنه لم يرسمها، بل قام برسمها أحد تلاميذه، في مرسمه الخاص. هذه الصورة تجسد الملامح الحقيقية لرامبرانت ؛ مرهقاً، حزيناً، مستسلماً، وصامداً في الوقت ذاته.

وبالطبع، فقد كان التلميذ ملماً بالصورة التي كان يبدو عليها معلمه ؛ كان يعرف عنه الكثير ؛ ولم يكن رسمه بحاجة إلى المزيد من الخيال. ومع ذلك فإن ثمة ما هو أكثر.

حيث التجسيد العميق الحي لرامبرانت على الرغم مما يفتقده العمل من براعة فنية. ولا بد من أن هذا الرسام كان يدرك تماماً ما يعنيه أن يكون هو ذاته الشخص الذي تعبر عنه صورة أستاذه العجوز.

غير أن ما ينبغي لنا معرفته جيداً هو أن صورة رامبرانت الشخصية كانت تجارة رابحة، في تلك الأثناء. كان إنتاجها قد أدرج في قائمة ما ينتج في الاستوديو الخاص به من أعمال. وكانت لتلك الأعمال سوقها الخاصة.

فيما كان تلاميذه يقومون بهذه المهمة عندما يكون منهمكاً في أعمال أخرى. فهل كان ذلك اختراقاً؟ ربما انطوى على بعض الخداع. إلا أنه قد يفسر من منظور آخر، المنظور الذي يرى أن ذات الإنسان ربما كانت مفهوماً يتجاوز الحدود الضيقة للملكية الشخصية.

لكن، ما ذا عن، فان كوخ؟ إن أحدنا لا يمكنه أن يتخيل صورة ذاتية لهذا الفنان مرسومة بريشة فنان آخر. غير أن ذلك هو ما يمكن تصوره على نحو ما يحدث في رواية الرسام والروائي ويندهام لويس، في روايته »الانتقام من أجل الحب«، في هذه الرواية نلتقي رساماً آخر جالساً أمام المرآة، واضعاً على رأسه قبعة مرسلاً إلينا نظرات قاسية.

هناك في مصنع القطع الفنية المزيفة بحي شيبردبوش اللندني، يجلس أحدهم في مرسمه الخاص باسترخاء ورشاقة، ثم ينظر إلى صورته المنعكسة في المرآة بتجهم. تميزه قبعة من الفرو.

وضمادة بيضاء سميكة تتدلى أسفل ذقنه، تغطي أذنه اليمنى في الأساس. ورغم أن هذا الشخص هو فان كوخ مثلما يفترض. إلا أن هذا الرجل يبدو مشغولاً في صناعة صورة ذاتية لذلك الفنان الشهير«.

عندما كتبت هذه الرواية، في الثلاثينات، كان كوخ قد تحول بالفعل إلى شهيد لإخلاصه الشديد. ثمة مفارقة كانت مجسدة في لوحاته التي تحولت إلى لقمة سائغة في يد مزيفي اللوحات الفنية، فقد كان أحد هؤلاء يجلس أمام المرآة بثيابه التنكرية الغريبة، لكي يتظاهر بفقد إحدى أذنيه !

توم لوبوك ــ الاندبندنت

ترجمة : مريم جمعه فرج