كانت الأعياد ولا تزال، لصيقة بالطفولة وعوالمها الملونة، البريئة، العفويّة، والصادقة، ما يحتم علينا نحن الكبار، تكريسها لهم، فالطفولة رمز الأعياد الأنقى، وشكلها الأبهى والأجمل.
والأعياد ارتبطت ولا تزال، بالأشياء الجديدة في حياة الصغار، من ثياب وألعاب وما شابه. بمعنى أنهم ينتظرونها بشوق ورغبة لكونها تحمل لهم هذه الأشياء، إضافة إلى فائض من المال، مسموح لهم التصرف به، في هذه المناسبة.
وممارسة نوع من الحرية في التعاطي مع أشياء كثيرة، وهي في حكم الممنوعات، خارج أيام الأعياد التي تعني لهم، إجازة مفتوحة، مُنحت لهم من قبل الأهل والمجتمع.
بعدها .. تعاود الحياة مسيرتها المعتادة، ومعها تعاود الطفولة، نسج الأحلام والأماني، بانتظار أعياد جديدة، تحمل الجديد والنقود الفائضة وحرية متماهية بالتسامح والألفة والنقاء والرعاية الزائدة.
هذه الأشياء مجتمعة، تُشكل أبرز وأهم أطياف الأعياد وألوانها ومظاهرها وسماتها، وهي غالباً ما تترسخ عميقاً، في ذاكرة الطفولة وأحاسيسها ووجدانها، مشكلةً معين أحلامها، والمحرك الأساس لعواطفها الاجتماعيّة.
من المؤكد أننا معشر الكبار، ما عدنا بقادرين على استعادة هذه الأطياف بوهجها البكر، وتألقها الساحر، وبهائها النقي، وتالياً التقاط رعشة الأعياد الحقيقيّة.
لكن بإمكاننا (وقد عشناها يوماً) توفير الظروف السليمة والصحيحة، لوصولها إلى أبنائنا وأحفادنا، لكي يعيشونها بشكلها الأمثل، وتالياً تخزينها في ذاكرتهم وأحاسيسهم، للعودة إليها، كلما ضاقت الدنيا في عيونهم.
وانتصبت أسوار الهموم والمشاكل والإحباطات والتعب الجسدي والنفسي حولهم، وكلما هربت بهم الأيام، بعيداً عن الطفولة. الأعياد بهذا المعنى، محطة لالتقاط الأنفاس بالنسبة للكبار، ومحاولة استعادة وتفعيل وإحيا.
علاقات حميميّة، أسرويّة، واجتماعيّة، غابت أو تكاد، من حياتنا المعاصرة. والأعياد أيضاً، حالة حراك لقتل ركود الحياة ومللها وتراكمات أيامها الثقيلة، واستمطار الفرح الأبيض النقي، في حقول الروح الظامئة !!
والأعياد .. محاولة من الإنسان، للتأكد من أن ثمة أسباباً موجودة بعد، للحياة وحب الحياة والاستمرار فيها. هي محاولة لكشح غيوم العادة والتعود والخواء واليأس، وفتح نوافذ الأمل، في جدران الخراب المحيط بنا من كل جانب.
والأعياد بدون استنهاض هذه الحالة الإنسانيّة المتفائلة والجميلة، في الحياة الأسرويّة الكبيرة والصغيرة، تفقد أهم مبررات وجودها، في حياة الكائن البشري، الذي عليه أن يناضل بشراسة، من أجل الحياة وحب الحياة !!
صحيح أن الأعياد باتت تُشكّل لنا نحن الكبار، مواجهة صريحة وحادة، مع الخراب الذي طال قيمنا الاجتماعية النبيلة، وأعطب أرواحنا، وابتعد بنا، عن مناهل الفرح الأبيض النقي، لكن محاولتنا، استعادة هذا الفرح، بهذا الشكل أو ذاك.
كلما توفرت الظروف لذلك، وتوفير المناخ المناسب لولادته ووصوله نقياً، سليماً إلى قلوب صغارنا، للبناء ولتأسيس مستقبلهم عليه، واجب علينا وضعه نصب أعيننا، والعمل الدؤوب على تحقيقه، ليس في الأعياد فحسب، وإنما كلما سنحت فرصة، وتوفر ظرف، لتحقيق ذلك.