أثار مسلسل نزار قباني منذ الفترة التي سبقت عرضه على فضائية دبي موجة من المعارك الفنية بين طاقم العمل وعائلة الشاعر التي تراوحت ملاحظاتها بين الحقوق المالية والاعتراضات الفكرية والحياتية التي تخص الشاعر قباني.
وبعد أن عرض المسلسل وشاهده الناس اندلع جدال آخر بين النقاد والمهتمين حول أمانة العمل في نقل الأحداث السياسية التي عاصرها الشاعر وتفاصيل حياته التي قيل إن المسلسل لم يكن مخلصاً في تقديمه لها.
ووصل الأمر بالناقد الفني محمد منصور إلى أن يشن هجوماً غير مسبوق على طاقم العمل متمثلاً بالكاتب قمر الزمان علوش والمخرج باسل الخطيب متهماً إياهما بأنهما تعمدا الإساءة لدمشق ونزار قباني بدوافع شتى. "البيان" استطلعت آراء عدد من النقاد السوريين وكانت هذه الإجابات:
حسن م. يوسف (سيناريست):
لم يكن الشاعر نزار قباني فاتراً على الإطلاق، فقد واجه العالم بحقيقته كإنسان لا يكتمل معناه إلا بحرية نصفه الآخر. لهذا ثارت عليه زوابع المحافظين. ولهذا أيضاً كسب حب المنصفين من الرجال إضافة لحب النساء التواقات للحرية.
ولهذا بالذات كان من الطبيعي أن تنقسم الآراء حول المسلسل الذي تصدى لسرد قصة حياة نزار قباني كما انقسمت الآراء حول الشاعر وحول شعره.
في القراءة الأدبية يستطيع كل قارئ أن يشكل صورة للأديب من الزاوية التي يختارها.
وفي ضوء العمل الذي يناسب هواه وبذلك يسهم المتلقي في خلق الصورة الأدبية وينشئ علاقة عاطفية خاصة معها، أما في الفنون المرئية ومنها التلفزيون، فتشكل الصورة كياناً مغلقاً على ذاته يجد المتلقي نفسه إزاءه أمام خيارين لا ثالث لهما ، إما أن يقبل الصورة كما هي أو أن يرفضها كما هي.
أعتقد أنه تحد حقيقي بالنسبة لأي كاتب سيناريو ولأي مخرج أن يتصدى لتجسيد حياة شخصية عاشت حياتها بالطول والعرض مثل الشاعر الراحل نزار قباني، فهذا الجهد محكوم عليه بعدم إرضاء الناس ، خاصة المقربين من الشاعر الراحل نظراً لأن صورته لا تزال طازجة في ذاكرتهم .
صحيح أن الكمال في مثل هذه الأعمال غاية لا تدرك. لكن إذا كان طموح مسلسل نزار قباني هو توجيه تحية لهذا الشاعر المرهف الذي كان يماهي بين المرأة والوطن، وإبرازه كقامة ثقافية وكشخصية وطنية، فقد تمكن المسلسل من تحقيق هدفه وهذا الأمر يتجلى في الزيادة الكبيرة في الطلب على كتب نزار قباني هذه الأيام.
خليل صويلح (ناقد)
تتجلى المشكلة في التصدي لشخصية بارزة مثل نزار قباني في أن هذا الشاعر الاستثنائي لا يزال حاضراً في البال، وتالياً ليست هناك مسافة لتأمل أبعاد حياته.
ولعل هذا الحضور كان شعرياً أكثر منه حياتياً، فشعر نزار قباني خلق حالة أسطورية ،حاول البعض عكسها على حياته، على رغم أن سيرته الشخصية لا تحمل في طياتها صدمات تراجيدية.
هي إحدى ركائز العمل الدرامي التلفزيوني، فهو شاب مدلل، من أسرة دمشقية ثرية، لم يتمرد على أسرته، أو على السلطة، بدليل أنه انخرط في السلك الدبلوماسي في مرحلة مبكرة، وتجوّل في عواصم العالم فيما يشبه السياحة الشعرية.
ونظراً لأن مذكراته-وهي مرجع النص التلفزيوني ـ حالة ورقية مغرقة في الرومانسية والانتقائية، افتقد المسلسل في معظم مفاصلة للحدث الدرامي، عدا قصص الحب التي جعلت منه دونجواناً حائراً بين عشرات الفتيات.
لكنني أعتقد أن نزار قباني كائن مراوغ، استعار حياة متخيلة أكثر مما عاشها فعلياً، معتمداً على قاموس عاطفي، ولم يواجه صدمة حقيقية إلا بعد هزيمة يونيو، وهي هزيمة وجودية، وليست حياتية.
وينبغي أن نتذكر انه من المستحيل مقاربة المحرمات في شعر نزار قباني تلفزيونياً لأسباب رقابية بالدرجة الأولى. ويمكن النظر إلى هذا العمل من داخل المقترح التلفزيوني .
وليس من خارجه، وإلا تحول شاعر جماهيري مثل نزار قباني إلى أيقونة مقدسة، كما يطالب البعض. لكن اللافت للانتباه على صعيد التكوين المشهدي برودة شاملة في مفاصل العمل على عكس جمر قصائد الشاعر.
سعيد البرغوثي (ناقد):
لم ينج مسلسل نزار قباني من سلبيات عميقة رغم أن وهماً تولّد لدى الناس عبر الضجة التي أثيرت هنا وهناك، بأنهم سيرون عملاً شاملاً عميقاً حول شخصية شعرية استثنائية احتلت كاريزما استثنائية وعبر مراحل تاريخية شديدة الغنى والتحولات.
يكاد المسلسل أن يسير بشقين يتناول أولهما حياة نزار قباني بينما يتعرض الثاني للأحداث التاريخية التي عاصرها مع غياب للقدرة الدرامية على الربط بين هذين الشقين بشكل فني.
على صعيد الشق الأول هناك تسطيح كامل لشخص نزار قباني وخاصة في فترة شبابه وتصويره على أنه زير نساء، وكأن هذا مستلهم من صورة المرأة في شعره، وهو استلهام خاطئ بتقديري لأن شخصية نزار الدرامية لم تكن بالضرورة كشخصيته في شعره.
من جهة أخرى هناك تطويل قاتل في العمل الذي لم يكن ليحتمل أكثر من نصف حلقاته، وذلك بفضل تكرار إشعار نزار لتمرير وقت زمني ليس هناك بهذه الكثافة. فالمسلسل ليس منبراً لإلقاء شعر نزار.
أما بالنسبة للشق الثاني فباعتقادي أنه لم تكن هناك أمانة بقراءة التاريخ، فهناك تسفيه كامل لفترة أديب الشيشكلي كحاضنة لمجموعة عصابات والمس أحياناً بشخص شكري القوتلي، ووصم تلك المرحلة بالفساد!
وأما اختيار الممثلين فكان على درجة من السوء باستثناء بعض النجوم طبعاً، فهناك كم من الكومبارس يؤدون شخصيات هامة لم يستطيعوا مقاربتها كتوفيق الحكيم ومحمد حسنين هيكل على سبيل المثال، والتي كان يفترض أن تسند لممثلين مقتدرين بغض النظر عن مساحة الأدوار.
وأخيراً هناك بطء قاتل في إيقاع المسلسل ربما انطلاقاً من فهم انتهى إلى ذلك الإيقاع مؤداه أن الشاعر يمضي حياته في التأمل والوقوف على الأطلال.
دمشق ــ تيسير أحمد: