تحول كازو أيشغورو 51 عاماً، إلى أيقونة أدبية عالمية. هذا الكاتب الذي ولد في اليابان، ونشأ في بريطانيا، تعرف عنه موهبته في تأليف الروايات ذات الموضوعات الجادة التي تدور حول شخصيات تواجه ظروفاً غير عادية أحياناً أثناء سعيها إلى التأقلم مع الماضي.

وقد أجرت معه مجلة شبيغل أون لاين الإلكترونية الحوار التالي الذي دار حول ذكرياته وثقافته المزدوجة.

٭ رواية "لا تتركني أغادر" هي سادس أعمالك الروائية التي كتبتها في غضون 23 سنة. يبدو أنك تكتب بتأن شديد. لماذا؟

ـــ لم أشعر قط بالحاجة إلى الإسراع في الكتابة. لا أعتقد مطلقاً بأنه ينبغي لي أن أضيف إلى كتبي من حيث العدد. من المهم بالنسبة لي أن أكتب عملاً مختلفاً.

٭ لقد بيع من رواياتك ما يربو على المليون نسخة باللغة الإنجليزية كما أنها مترجمة إلى 28 لغة عالمية.

ــــ على الرغم من عدم متابعتي للأرقام، إلا أنني أعتقد بوجود نوع من الاختلاف الكبير، هذه الأيام، بين الكتاب الذين يكتبون الأعمال الأكثر رواجاً، والكتاب الذين تظل مبيعاتهم قليلة.

ولو لاحظت، حتى الكتاب الذين يتمتعون بشهرة كبيرة، وحتى أولئك الحاصلين منهم على جائزة نوبل، غالباً ما يكونون الأقل رواجاً. وهكذا فأنا اعتقد بأن من الصعب التنبؤ بالحياة التي يعيشها هؤلاء.

ربما كان أحدهم مليونيراً بسبب مبيعاته، وربما كان يعاني من الفقر المدقع. خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة الأخيرة أصبح من السهل جداً على الكتاب، خاصة الذين يكتبون باللغة الإنجليزية، أن يهيمنوا على السوق العالمية.

٭ يقول الكتاب الألمان الشباب، الآن، أن الطريقة المثلى للوصول إلى الشهرة في بلادهم هي أن يتحول أحدهم إلى كاتب أميركي ناجح.

على الرغم من أنني أتصور بأن من الجميل أن ينظر الناس في ألمانيا إلى آخرين خارج بلادهم لكي يتسنى لهم أن يتعرفوا على كتاب أميركيين، أو كتاب بريطانيين، بلا شك . إلا أن هذه التوجهات، تبدو مزعجة بالنسبة لي.

ورغم أن كل بلد ينبغي له في الأساس أن يختار تقاليده الأدبية القوية، إلا أنه ينبغي أن يكون لديه كذلك اهتمام بالآخرين.

٭ ما الذي يعنيه التحول إلى كاتب عالمي ؟

ـــ إن إحدى الظواهر المهمة المترتبة على هذا الشيء هو أنني لو أمضيت معكم هنا في ألمانيا أو مكان آخر فترة من الوقت من أجل التحدث عن الأسباب التي تحملني على كتابة بعض الموضوعات ، فإنني سأعود إلى بلدي لكي أقوم بتأليف رواية، هذا إضافة إلى ترجمة أعمالي إلى لغات أخرى.

٭ لكن ألا تشعر بأن هذه الصفة تناسبك ؟ لقد ولدت في اليابان، وغادرت أسرتك إلى إنجلترا عندما كنت في الخامسة. أما زالت متأثراً بالثقافة اليابانية ؟

ــــ بلا شك، فعلى الرغم من أن بريطانيا هي وطني. إلا أن أبواي لا يزالان على قيد الحياة ولو أنني تحدثت إليهما في هذه اللحظة فسأتحدث باللغة اليابانية. إنها اللغة التي أتحدث بها معهما.

كنا نخطط للعودة إلى اليابان. فقد كان أبي عالماً يعمل لدى الحكومة البريطانية في الأساس، وبشكل مؤقت كما كنا نعتقد. إلا أن ذلك استمر 45 سنة. ورغم ذلك كنت مستعداً للعودة إلى اليابان والحياة في المجتمع الياباني.

٭ أما كنت غريباً أثناء نشأتك على اعتبار أنك كنت صبياً آسيوياً يعيش في إحدى ضواحي إنجلترا؟

ـــ لقد كنت بعيداً عن هذا. كنت في الحقيقة شخصية محبوبة. وكنت مرتلاً في الكنيسة القريبة ،هكذا فقد كنت أعرف الجميع. إن الإنجليز على الرغم من أنهم قد يتهمون بالعنصرية في بعض الأحيان، إلا أنهم منفتحون جداً على المستوى الشخصي. لقد عشت في بريطانيا قبل تحولها إلى مكان متعدد الثقافات.

وبالتالي فإن بداخلي نوعاً من الحنين إلى تلك الصورة التي كانت عليها إنجلترا... إنجلترا التي عشت فيها طفولتي انتهت. ومنذ منتصف الستينات إلى اليوم أخذت بوادر العنصرية ضد الآسيويين تظهر على البريطانيين بوضوح، وهكذا، غير أن الوضع لم يكن كذلك في تلك المرحلة.

٭ على الرغم من أن المكان الذي تقع فيه أحداث روايتك الأخيرة، هو إنجلترا، إلا أنها لا تبدو رواية إنجليزية خالصة.

ـــ الحقيقة أنني لم أفكر مطلقاً في تأليف روايات حول إنجلترا. أعرف أن هناك كتاباً جيدون مهتمون بالتعبير عن جوهر الحياة في المجتمع البريطاني، إلا أن الأمر ليس كذلك بالنسبة لي... تعرف هذا.

وعلى الرغم من أنني أسميته "إنجلترا"، إلا أنه لا يعدو كونه مجرد مكان متخيل. عندما كتبت "بقايا النهار"، وهي رواية يعتقد الكثيرون أنها مفرطة في إنجليزيتها ، كانت إنجلترا أيضاً متخيلة إلى حد بعيد.

٭ إنها رواية تلعب بالأفكار والأفكار الجاهزة المتعلقة بمفهوم النزعة الإنجليزية .

ـــ أجل، أعتقد بأن الكثيرين حول العالم قد فهموها بهذا الشكل. وهكذا فهي نوع من المكان العالمي الطابع. صدقني حتى الإنجليز توجد لديهم هذه الأسطورة التي تدور حول إنجلترا. غير أن إنجلترا التي تظهر في روايتي الجديدة تختلف تماماً عن تلك التي تظهر في رواية، بقايا النهار، إنها كما تظهر في الرواية تماماً.

٭ تكاد تكون إنجلترا الريفية، جزءاً من الريف الإنجليزي.. نورفولك.

ـــ إلا أنه ليس جزءاً من الريف الإنجليزي الجميل، إنها صورة كئيبة وباردة وداكنة.

٭ تتميز رواية، لا تتركني أغادر، بأنها باعثة على الشعور بالكآبة ، بوجه عام. هنالك الشباب، المهرجون، الذين يجدون أنفسهم في المآزق الصعبة ، فيما تنتظرهم أقدار مرعبة، وعلى الرغم من ذلك فهم لا يثورون على هذه الأوضاع. هل يجسد هذا إلى حد ما فكرتك عن الأوضاع الإنسانية؟

ــ علي أن أعترف، إن كل رواياتي تحتوي على هذا الشيء.. لكن لنعد إلى الطاهي في هذه الرواية. إنه لا يميز مكانه في الحياة... هنالك تاريخ إنجلترا وهنالك ألمانيا النازية. كل ما لديه هو القبول بالأمر الواقع.

والسعي إلى الحفاظ على كرامته. لقد قررت منذ البداية ألا تدور هذه الرواية حول قصص المستعبدين والذين يتم استغلالهم على المستوى الطبقي هؤلاء الذين يثورون في نهاية الأمر .

لم يكن الموضوع الذي قررت الكتابة عنه متعلقاً بانتصار الجوهر الإنساني. لقد كنت مهتماً باختبار القدرة قدرة الآخرين على تحمل ما ينبغي له أن يبدو مثل المصير المحدد القاسي.

ترجمة: مريم جمعة فرج

عن مجلة شبيغل الألكترونية