هل يكفي سيلفيا شفّلكه، المولودة في عاليه، لأم لبنانية وأب ألماني، انتماؤها إلى »محترف جرأة القول«، حتى تترجم انتماءها وشجاعتها وأحاسيسها في كتاب »رحيل...شعر« هو باكورة أعمالها الصادر حديثاً عن »دار الفارابي« في بيروت باللغتين العربية والفرنسية.
يتضمن الكتاب مجموعة قصائد، أولها »فرص من ذهب« ووسطها »ترقب غير محدد« وآخرها »حوار مع آلهة الفن«، وبين البدايات والنهايات 203 صفحات، رسومات الفنان التشكيلي فارس غصوب يقصد بها غلاف أبيض رشيق وخطوط سوداء لوجه امرأة تتجرأ على الغضب والحب والقول... والكل يتلاءم مع الكتاب الطولي الظريف والمميز.
وعلى نحو أكبر مع زمن عرفت الحزن باكراً بوفاة والدها، والحنان باكراً في أحضان جدتها، والشعر باكراً وهي بعد في الثالثة عشرة من عمرها، وكذلك الحب والزواج والأمومة والشوق والحنين.
و... الحلم دائماً وأبداً، مأواها وملاذها والمكان الذي تجدد من خلاله انطلاقها وتمردها. هو عالم تتمسك فيه باحثة عن عوامل إبداعات وتعبيرات أصيلة، وتجتازه عبر مسالك عدة : الطبيعة، الأدب، التشكيل، الموسيقى، الشعر، السينما، وفي جميعها تكشف عن اتصال إنساني مرهف.
في عناوين قصائدها السبع والعشرين، وكذلك في أبياتها المختصرة، نقرأ رحيل سيلفيا إلى الحلم انطلاقاً من عالمها الداخلي والخاص، من نوازعها الذاتية وفيضانات وجدانها الشخصية، تلج عالمها الأثيري الملون بالرومانسية.
وندرك معها أن من لا يتمكن من معرفة ذاته وحقيقة جوهرها ومدى انسجاماتها أو تناقضاتها، لا يستطيع أن يصل إلى معرفة الآخرين معرفة عميقة واعية، وبالتالي الكتابة عنهم وتصوير عوالمهم.
في »رحيل...شعر«، تبدو سيلفيا شفلكه في عالمها الداخلي، شاعرة متدفقة الحساسية، محترقة الأعصاب لدرجة المرض، مسكونة بالنوع والحزن معاً لا يعرفان الافتعال، طفلة بحاجة إلى لمسة حنان على جبينها:
»رحل الليل حاملاً معه حزنك »...« اخلدي إلى النوم يا ابنتي إنني ساهرة على نومك«... تكتفي بالقليل من زوادة الفرح لتستقر بسعادة غامرة، قلبها ينبع بالمحبة .
ويفيض بها، محبة العائلة، الأصدقاء، الطبيعة، الوطن، الواحد الأوحد، تقول: »عندنا تكون السماء رمادية اللون، ويسكن قلبك الحزن والقنوط، تستطيع أن تأتي إليّ، ستجد صديقة لك ها هنا«...وتقول:»لا تعرضي قلبك للريع، لا تدرين ما المصير، أمضي في طريقك حالات حب أخرى تنتظرك«...
وما أكثر ما تقول سيلفيا، تارة بلسان طفلة:»دموعك المذروفة اليوم، ورود الحياة ستزهر غداً«... وبلسان مراهقة:»الحياة بالكمائن مزروعة، حتى السعادة تذوقنا، فإن الألم اختبرنا«... وناضجة:»ليتني ما كنت أحبك !لكنت أرسلتك إلى الجحيم، ليحترق جلدك بنارها، كما احترق قلبي الآن«... وحكيمة:
»الحقد سم من الثعبان إذا استوطن يصعب اقتلاعه«... ومتمردة:« ما أكثر الخونة الذين رأيت ... فأنا لست خادمة، تنتظر سيدها مطيعة.
امرأة حرة أنا«... كل ذلك في ما يشبه حواراً بين الشاعرة وآلهة الفن وقبله رحيل شعري إلى الذاكرة والذكريات :»فالسماء خطفت الزوج وهجّرت الحرب الأم وطفليها الاثنين .
رجعت إلى منزل طفولتي، كان ثمة زوجان سعيدان، أطفال سعداء لا مبالين«... ومرة أخرى إلى الحب: »حبي لك انت، بسمة طفل، دمعة على وجنة، سعادة متفجرة، حب بكل بساطة«.
والى خيانة وفجر:»فذات يوم غادرت دون كلمة، دون وداع »...« الفتاة التي أحب بكل الجوارح، فتاة لن يراها ثانية، في هذا العالم الجائر«... والى أم ثكلى: نم يا ولدي انت البريء، نم يا ولدي، فقبل أن عرفتك غادرتني«! والى الأمل:»ها هو الأمل دائما وأبداً، كالنمر راح يصارع حتى انتصر«...
على وقع هذه الترانيم، جنح خيال سيلفيا إلى نميمة الحلم الرؤيا والحلم الواقع، ليبني عالماً يسكنه بشر مفتونون بلذة الحياة وروعة جمالها. هذا العالم الذي تأوي إليه الشاعرة، فتفترش ظله وتستروح عبقه ليس عالماً ذاتياًّ ضيقاً تتشرنق حوله أو فيه، وتبرز من خلاله تضخم »أناها« الفردية وعزلتها عن الناس الطيبين... على العكس من هذا تماماً.
هو عالم بقدر ما يتمتع بذاتيته وينهل منها ويحوم حولها بقدر ما ينفتح على رحاب الآخرين: همومهم، أوجاعهم، أمانيهم ورغباتهم ليعبر في النهاية من الذاتي إلى الاجتماعي الإنساني، وليكون شاهداً أيضاً على خصوبة تجربة عرفت سيلفيا كيف تصهر خلاصة حسها الداخلي الشخصاني في أتون أحاسيس الأنثى كونية.
تقول في مقدمة الكتاب »بنشر هذه المجموعة من القصائد، لم أقصد إظهار أحاسيسي ومشاعري، فإنني أعرف أنني لست وحيدة في اختبار المعاناة والحب والفرح والسعادة، انما انتشر ما كتبت من أجل أولئك الذين لا يجرؤون على القول، من أجل اولئك الذين يعانون في وحشتهم وبصمت، لأقول لهم أنهم ليسوا وحيدين".
نستطيع أن نتوقف في هذه المقدمة أما المفردات الأساسية الحية التي شكلت عالم سيلفيا وصاغت تضاريسها : الجوع إلى الحب، إلى الأمان إلى السعادة، إلى الحرية، إلى الشجاعة...
يتجلى ذلك في استعمالها في قصائدها لألفاظ بسيطة معينة توحي بشفافية هذا العالم وندواته وخصوبته وأبعاده الإنسانية وألوانه الزاهية :»تطل الشمس على الوادي كقرص من ذهب، تدخل من النافذة وترسم قبلة على عيني الغافيتين«
... »ليل النقاوة، ليل السلام«... »في وحشة الليل بكى قلبي وعلا أنينه، يحن إلى مداعبات لطيفة، وقبلات مجنونة «...»يا صاحب القلب الصخري، لك من أعماق الأعماق كل حقدي«... »في غمرة آلامي، أفتش عن التوحد يفتح لي درباً ملؤه مفاجآت وتفهم«...
انها الكلمات ترسم خلال عالم سمح تطمح سيلفيا لبنائه في الغد، خال من ضروب القهر والعذاب والسقوط، يضحك فيه الإنسان بصدق من القلب ويمد يده الطفولية البريئة لمصافحة الآخرين، صحيح أن الشاعرة تتخلص من »أناها« في كل قصائدها، لكنها عبّرت في الأسماء والأفعال عن تمثل حيوات بنات جنسها والذوبان في أوجاعهنّ وأحلامهنّ ورحيلهنّ إلى الحرية وجرأة القول.
