كان ليحلو لي ألا أموت«، سيقول عما قليل خوسيه ساراماغو، صاحب جائزة نوبل للآداب عام 1998، الذي يمضي من هنا إلى هناك عبر العالم كله متكلما ومرتئيا ومتدخلا في كل ما يبدو فعلا أنه يثير اهتمامه.
سيقول ذلك، كما يقول كل شيء،بتلك الاسبانية ذات اللكنة البرتغالية، التي يبدو أنها أضحت لغته منذ أن غادر لشبونة واستقر في جزر الكناري.
"كان ليحلو لي ألا أموت"، سيغني الآن بعد أن ناهز 83 عاما من العمر وجاء إلى بوينس أيريس كي يشارك روسا مونتيرود وادواردو بيلغرانو راوسون لجنة تحكيم »جائزة كلا رين للرواية«.
وهو يقول ذلك لأنه في الأيام الأولى من نوفمبر المقبل ستصدر في أوروبا وأميركا روايته الأخيرة » نبضات الموت«، وهو كتاب ينطلق من فرضية حالمة حول انقطاع الموت ويبدأ بعبارة: " في اليوم التالي لم يمت أحد واليوم الذي تلاه كذلك".
لكنه ليس أفق سعادة ما يتبع، حيث يستمر مرور الزمن والناس يواصلون المرض وكبار السن المتزايدة أعدادهم يتكدسون فيما يسميه الكتب بشكل تهكمي: »بيوت الأفول السعيد«، الكنيسة احتجت وشركات التأمين والعائلات انطلقت لحمل الذين طرق الموت أبوابهم ذات مرة إلى الطرف الآخر من الحدود.
حيث لا يزال الموت يمارس وظيفته وتظهر عصابة مافيا متخصصة بعقد الصفقات المتعلقة بعمليات النقل. في نهاية المطاف، أن الكتاب فلسفي ومضحك ولاذع، لكننا نلحظ حتى الآن ساراماغو كلاسيكي.
فالقصة لا تتوقف عند هذا الحد،إذ يبعث الموت ذات يوم رسالة إلى التلفزيون يعلن فيها أنه سيعود إلى العمل ومن هنا فصاعدا سنراه في قبوه مقلبا أرشيفاته ومالئا بعض الأوراق. ويستمر الوضع على هذه الحال حتى يحدث أن يظهر أحد لا يتمكن من قتله وهو موسيقي.
وفي هذا السياق، يقول ساراماغو- الأنيق كما هو دائما في غرفة فندقه -إنه إذا سئل على حين غرة فمن الواضح أنه سيرد بالقول : كان ليحلو لي ألا أموت، »لكن فكر الآن بما جرى.
نحن لا نموت وربما نبقى كما نحن الآن وقد يعني ذلك أن طفلا يولد البارحة قد يبقى هناك أيضا وربما يتوقف الزمن عن الوجود وأن عمر الطفل سيبقى ثلاث سنوات أو ثلاثة أشهر أو ثلاثة أيام أو ثلاث ساعات، من دون الوت لا نستطيع العيش«.
صحيفة »كلا رين« الأرجنتينية انتهزت فرصة وجود خوسيه ساراماغو في بوينس أيرس وأجرت معه الحوار التالي:
* تبدوان روايتين، واحدة حول الجانب العام لتوقف الموت والأخرى حول الجانب الخاص.
لنلق نظرة على الكتاب، حيث بوسعنا فهم أن هناك ثلاثة ويمكن أن تكونا اثنتين وفي نهاية المطاف هي واحدة. ففكرة توقف الموت عن العمل هي من حيث المبدأ فكرة مجانية إلى حد كبير طالما أن ذلك لا يحدث أبدا.
لكننا نقبل بالخيال، لأن المرء ليس لديه شيء آخر يفكر فيه وهو يفكر، مثلما فكرنا جميعا ذات مرة، ويقول: »لكن ماذا لو لم نكن مضطرين أن نموت؟«.
وذلك نقوله هكذا على الخفيف معتقدين بأنه سيكون جيدا مواصلة العيش من دون تحت هذا الشبح. لكن سيكون هناك تبعات إذا ما توقف الموت عن العمل، حيث ربما نعيش شيخوخة خالدة. هناك تبعات واضحة، كتلك التي تقلق حكومات العالم :
كيف سندفع المعاشات التقاعدية لو طالت الشيخوخة ولو تقاعد المرء وبقي متقاعدا بعد 20 أو 30 عاما... هذا ما تسميه أنت الجانب العام وذلك لأن الرواية تفتح زاوية كبيرة ومن ثم تركز على شخص محدد.
* والموت يتأنسن...
انه كما لو أن الموت، في حياتنا الهشة إلى هذا الحد، أدرك، في نهاية المطاف، هوية من يقوم بقتله، وليس المقصود هنا ذلك الموت الشخصي الذي عليه أن يقتل وهو يقتل ولا يفكر بذلك. أردت تخيل يوم ما ينظر فيه الموت إلى عيني الشخص الذي سيقتله.
* وهل يحدث شيء مع تلك النظرة؟
ـــ حسنا، أنها امرأة تحب الموسيقى... وأنا أقول هذا لأنها هي نفسها عزفت وهناك نقوشات قديمة يقدم فيها الموت .
وهو يعزف على الكمان.وذلك من أجا القول إن الموت يقود الرقص والناس ترقص بانتظام. وأن ذلك يعكس في العمق أشكالا لمحاولة فهم ما الذي نفعله هنا.
* هل فهت شيئا؟
ـــ ثمة عبارة لعالم تقول: »الهيدروجين هو غاز خفيف عديم الرائحة يتحول إلى كائن بشري مع توفر الوقت الكافي »هكذا هو الأمر، فلو لم يوجد هيدروجين، لما كنا هنا.
٭ يدور السؤال حول المغزى، ما الذي نفعله هنا؟
ـــ ليس في ذلك مغزى، فنحن من نحاول إعطاء معان وأحياناً نعطي معاني متناقضة. ولا وجود للتحديات المسبقة، ولا يوجد سبب لنكون هنا جالسين نتبادل أطراف الحديث حول رواية.
٭ قبل عام مضى قلت إنك لا تفكر بموتك..
ـــ وما زلت كذلك، لكن قطعاً ليس كما لو كنت خالداً وأكتب حول أمر لا علاقة له بي، ومع ذلك فإني استمتعت كثيراً وأنا أكتب نازعاً عناصر الرثاء عن الموت.
فالقصة التي كان علي أن أرويها، لم تطرح علي غموض الموت والطقوس والدموع والحداد كأمر مظلم. الذي يشغلني هو الموت الذي يحصل هنا، موت هذه السيدة التي ستحملني ذات يوم.
وأنا كتبت عنه، لكن من دون مخاوف ومن دون التفكير بأني سأموت بعد أن أصبح عمري 85 عاماً وبأني لن أعمر طويلاً. أنا واع لذلك، لكن الرواية لم تكتب قطعاً كطقس لطرد الأرواح الشريرة، فأنا أعلم علم اليقين أن الموت لا يسمح بذلك.
ترجمة: باسل أبوحمدة
