نشأ الشعر الحديث في لحظة القطيعة المعرفية الواسعة، التي تمثلت في انفصال المخيلة عن العقل، حين بدأت الذاكرة الإبداعية في الفصل ما بين الصور باعتبارها نتاج المخيلة، والتصورات باعتبارها نتاجا للعقل.
وتأسس النص النقدي بدوره في المسافة التي تفصل بين النص الحاضر ونص آخر ضمني، ليصبح هذا النص الآخر هو المعيار الذي يقاس عليه النص الحاضر، بل ويمثل حكم القيمة له..
. إذا كانت هذه الأقوال في جميع الحالات تشي بضرورة وجود نص ما، فما الذي يمكن أن نطلقه من تسميات على ما نقرأه أو نسمعه من شعر هذه الأيام؟ وكيف تعتمل في ذات الشاعر مكونات القصيدة؟ وما هي التقنية التي تصنعها؟ وما هي الآلية التي تخرج بها إلى رحاب البوح؟
التوالد اللفظي نوع من التقنية الشعرية قال فيها الشاعر الفرنسي »ملارميه« إن الشعر ليس إلا مجرد توالد ألفاظ، بمعنى أن اللفظة تولد لفظة أخرى.
وهكذا دواليك... ولكن ألا يحتاج ذلك أولا إلى معان للألفاظ وليس إلى توالد هذري؟ وتلك اللفظة التي تنبلج منها لفظة أخرى.
ألا تحتاج إلى نوع من الإيقاع الداخلي يكسبها حركتها وتسارعها؟ ألا تتطلب تلك التقنية دفقا شعوريا وكثافة فكرية وإحساسا هادئا ومخزونا لغويا مشبعا؟ وإلى ماذا يقودنا ما دون ذلك؟ أليس إلى الهذيان؟
دعت السريالية إلى نوع من الكتابة يتجسد فيما أسمته الكتابة الآلية، أي أن تنطلق من كلمة ما ثم تكتب ما تشاء على أن هذا التداعي اللغوي يخرج من اللاوعي الإنساني ويضيء المناطق المجهولة في الذات البشرية...
أي هذيان هذا الذي يمكنه أن يحقق ذلك؟ ومن أين ستحقق القصيدة الديناميكية أو الدراما التي تساهم في تشكيل رؤيتها؟
إن الديناميكية تنتج بالضرورة عن الحركة التي يحدثها تداخل وتصادم الأفعال ذات الصيغ الزمنية المختلفة، والتي تؤدي بالضرورة إلى الدراما الشعرية، فالدراما هي الابنة الشرعية للتعدد والتناقض.
وافتقاد تلك الدراما، يؤدي بالضرورة إلى التداعي والاستطراد لخلق حركة ما حول اللفظة إياها في التوالد اللفظي، أو الكلمة المركز في الكتابة الآلية، أو الصورة الأصلية في الكتابة العادية.
وهذه الحركة إذا تأسست على التكرار اللفظي والهذيان لا التعدد، وعلى التوازي لا التناقض، ستصبح أي إضافة مجرد إضافة كمية، تثقل على النص ولا تضيف إليه.. فما بالك إذا كانت تلك الألفاظ خارج السياق.
وبعيدة كل البعد عن الدلالات المعجمية والحياتية للفرد، أو حتى مجردة تماما من بيئتها، وخاصة عند شعراء السجع الذين لا يتجاوز هاجسهم اللغوي أنف القوافي؟
صحيح أن هناك ما يسميه النقاد بالانزياح الشعري، أي أن المفردة حين تقع في السياق الشعري تفقد معناها القاموسي وتكتسب معنى دلاليا جديدا يفرضه السياق الذي تخضع له..
ولكن هذا لا يعني أن نقع في الغموض والإبهام، ويقودنا الهذيان نحو الضياع وغياب المنطق، و يأخذنا الهذر إلى عتمة بعيدة كل البعد عن المنابت الحقيقية للمشاعر والأفكار..
mah7z@hotmail.com