اللوحات والمنحوتات الفنية خلدت شخصيات كانت مغمورة،لكن إبداع الفنان انتشلها من اليوميات ليوثقها عبر الزمن.لو رأت الموناليزا الناس وهم يقفون أمام اللوحة التي تجسد صورتها مأخوذون بجمالها.
أو سمعت الجدال القائم حول ابتسامتها الساحرة لشعرت بسعادة وغرور، وأيقنت أن الساعات الطوال التي جلستها أمام الفنان ليوناردو دافنشي ساكنة بلا حراك قد أتاحت لدافنشي أن يخلد وجهها قبل أن يذبل تحت وطأة السنين.
إنه الفنان وحده القادر على تحدي الزمن،وتجسيد الجمال،وتجسيد السلطة فاللوحات والمنحوتات القديمة كانت تصور الملوك والأمراء وتعكس انتصاراتهم وممارستهم اليومية.
وإذا كان الفنان الروماني واليوناني القديم يوقع اسمه بجانب عمله الفني لم يكن يسمح للفنان الفرعوني أن يوقع على عمله الفني وبقيت اللوحات تدل على شخصية الملوك التي أتاح لها بعض الفنانين الظهور على أنها شخصيات أسطورية.
وعندما رسم الفنان بوتشيللي "ميلاد فينوس" كان قد رسم الأميرة »سيمونيتا« من عائلة ميدتشي على أنها "فينوس".فالفنان الذي يسمح لخياله ولريشته بالتنقل بين زوايا اللوحة سمح لنفسه بتجسيد الوجوه المجهولة.
وعندما عرض الفنان الفرنسي "إدوارد مانيه" رائد الانطباعية عام 1863 لوحته »الغذاء فوق العشب" وفيها سيدة عارية تجلس على الحشائش متوسطة مجموعة من الرجال كاملي الأناقة أو لوحة "الأولمبيا" التي رسم فيها امرأة تتكئ على وسادة حريرية ومن خلفها خادمتها تقدم لها باقة من الزهور.
وتحت قدميها قطة سوداء تعبر كما قال عنها الشاعر الفرنسي بودلير صاحب ديوان أزهار الشر »عن كل الغرائز والنوازع الشيطانية".كان يجسد مانيه في اللوحتين وجها لامرأة مجهولة تعد من بين آلاف اللوحات الشهيرة المنتشرة في متاحف العالم.
تجسيدا لوجوه مجهولة ألقوا بجاذبيتهم لتستحوذ أعمال الفنانين، لكنها في أحيان تعدت الجاذبية ليصبح الموديل مهنة، فالحسناء »إليزابيت سيدال« إحدى الموديلات التي عملت بهذه المهنة وقفت أمام عدد من الفنانين يستلهمون من وجهها ملامح نساء الأساطير مجسدة "سيلفيا" أمام الفنان هولمان هنتس.
وأفيليا أمام ميليه. أما سوزان فلادون فقد وقفت أمام رينوار وبرزت موهبتها الفنية لتمارس التصوير فيما بعد وتتواصل مع رواد الفن في ذلك الزمن أمثال "براك وبيكاسو وغيرهما".
أما انعكاسات وتناقضات الموديل الداخلية فقد أشار إليها الكاتب الايطالي ألبرتو مورافيا بجزء من روايته "امرأة من روما".الموديل أو الوجوه المعروفة أو المغمورة لربما باتت تطل بخجل في أعمال فناني العصر الحديث.
فالملامح والتكوين بدأت تتلاشى تحت تأثير التيارات الفنية الحديثة بدءا من التكعيبية والتجريدية إلى آخر ما يجره العصر من تيارات فنية تسحق المفاهيم القديمة للفن لكنها لن تطمس الأعمال العظيمة التي قدمت عبر التاريخ, وجسدت شخصيات شهيرة أو مغمورة.