تعتري مشاعر الإحباط نفوس كثير من الكتاب العرب حين يجدون نسخ إصداراتهم مرصوصة كما هي على أرفف المكتبات، وحين يعيد إليهم الموزع نسخهم كما تسلمها إلا قليلا منها.

وان اجتهد الكاتب فلن يتمكن من طباعة أكثر من ألفين إلى ثلاثة آلاف نسخة، وفي أفضل أحواله المادية، وكحد أقصى نادرا ما قد تصل إلى خمسة آلاف نسخة، يهدى جزءاً منها إلى الأصدقاء، والمهتمين، والصحافة.

ويذهب الباقي فينام في صناديق الانتظار. الاتهام الدائم أن العربي لا يقرأ، وبالتالي تكسد هذه الصناعة، فيسقط الكتاب بين سندان غلاء السعر من وجهة نظر البعض، ومطرقة سوء التوزيع كوجهة نظر أخرى. إلا أن ذلك لا يمنع من تعدد وجهات النظر حول ظاهرة الانصراف عن الكتاب.

تعود قضية "القراءة" إلى ساحة الطرح، وهي التي لم تبرح هذه الساحة قط. وتبقى صفة القراءة للفرد العربي بين التواضع والتراجع.

كثيرون تحايلوا على الوضع بانتهاجهم مبدأ التلخيص والاختصار، وانجرفوا مع موجة كتاب الجيب، التي سادت وراجت في فترة سابقة، حتى أصبحت الرواية لا تتجاوز المئة صفحة من القطع الصغير إلا بقليل.

الأمر الذي شجع الكثير على الإنتاج السريع ووصفه بالرواية، وهو في أكثره يفتقد إلى خصائص هذا الفن. وان كان الهدف تشجيع القراءة فهل حققت هذه العملية النجاح المطلوب؟ أم أن نجاحها اقتصر على كتب التسلية والروايات العاطفية البسيطة.

تلك التي حققت رواجاً لدى فئات محددة من المجتمع. ومع ذلك ظل الفشل في جذب القارئ العربي إلى القراءة إشكالية مستعصية الحل؛ حتى مع التوجه إلى تقليص حجم ومحتوى الكتاب؛ بصرف النظر عما يكون قد سببه هذا التوجه للكتاب نفسه.

وان كان قد خدمه وساعد على انتشاره أم العكس.

في فترة زمنية متقاربة ظهرت كتب من الحجم الثقيل؛ نسفت النظرة إلى تجنب المطولات التي كانت سمة كتاب الملاحم السابقين والأعمال الخالدة؛ من أمثال ديستوفسكي وشولوخوف وفلوبير وهيمونغواي .

وغيرهم من عباقرة الإبداع العالمي، وعلى الصعيد العربي عبد الرحمن منيف كأبرز مبدعي المسافات الطويلة؛ فسحبت البساط عن كتاب الجيب، ونفت فكرة شح الوقت لدى الناس ما يصرفهم عن القراءة فكيف ان كانت أعمال كبيرة.

ونسفت فكرة أن القارئ لم يعد يحتمل الكتب الضخمة. لكن بم تفسر ظاهرة اكتساح الكتب "العملاقة" ان جازت تسميتها، وتوزيع الملايين منها، وإعادة طباعتها عدة مرات.

وترجمتها إلى لغات عديدة بما فيها العربية؟ والإقبال المنقطع النظير على اقتنائها وقراءتها، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر رواية بجعات برية للكاتبة الصينية تشانغ يونغ الواقعة في 595 صفحة من القطع الكبير.

والتي ترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة، وأعيدت طباعتها عدة مرات ووزع منها الملايين. ثم كتاب حياتي للرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون؛ الواقع في أكثر من ألف صفحة، وتاريخ عشته لزوجته هيلاري الذي تقل عدد صفحاته قليلا؛

قد تكون ظروف هذين الأخيرين ذات خصوصية أدت إلى رواج كتابيهما؛ لكن إن جازف الناشر الغربي بسبب اعتبارات تحقق له الجدوى؟ فهل يجازف الناشر العربي بالترجمة لو لم تكن هناك جدوى مماثلة؟.

ثم جي. كي رولينغ مؤلفة سلسلة هاري بوتر التي وزعت أكثر من 300 مليون نسخة ، والتي تجاوز عدد صفحات آخر أجزائها الـ 800 صفحة، وترجمت إلى 63 لغة، ثم شيفرة دافنشي لدان براون الواقعة في نحو 500 صفحة.

والتي لم يؤثر على توزيعها وإعادة طباعتها ـــ أكثر من عشرين مليون نسخة ـــ الجدل الذي أثارته فور صدورها، ولا عمليات المنع في عدد من الدول العربية.

ولم يحد من انتشارها لجهات الأرض الأربع موقف الكنيسة السلبي منها، الأمر الذي دفع الكاتب إلى إصدار ملائكة وشياطين في 568 صفحة من القطع الكبير، وطبع منها أكثر من 16مليون نسخة وترجمت إلى 50 لغة.

في المنطقة العربية هناك استثناءات لكنها نادرة كما حدث مع محمد شكري في رواية الخبز الحافي، ومع ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي؛ ورواية عمارة يعقوبيان لعلاء الدين الأسواني إلا أنها لا تصل إلى المقارنة من حيث الحجم إلا مع خماسية مدن الملح لعبد الرحمن منيف، وثلاثية تركي الحمد (الشميسي والعدامة والكراديب).

ومؤخرا كتاب الين حلاق »الخلوي أشهر فضائح العصر« الواقع في أكثر من 700 صفحة الذي وصل إلى الطبعة الثامنة ان لم يتجاوزها حتى الآن، والذي ترصد فيه الكاتبة 400 مخالفة، عبر تحقيقات صحافية ومقالات كشفت من خلالها قضايا فساد خطيرة.

تُطرح هذه القضية لعل في الآراء والتعليقات التالية ما يحرك ركود البحيرة، وكان المدخل من خلال طرح د. عبد الله الغذامي الذي برر انصراف الناس عن القراءة بأسباب تكمن في الكاتب نفسه حيث يقول (إن النخبة ظلت تدعي لنفسها تمثيل الناس، والواقع ليس كذلك.

كانت النخبة في وادي، والناس في واد آخر، واليوم يعانون أن الناس لم تعد تقرأ ما يكتبون بفعل الفضائيات.وقد كان الناس لا يقرأون ما عدا قلة. وإذا كان المثقفون يمثلون أحداً؛ فهم يمثلون ذاتهم ومن حولهم من ذات الطبقة، بينما شريحة واسعة من الناس لا علاقة لهم بهم.

وبعد أن كان الظهور في التلفزيون يقتصر على النخبة والمثقفين فقط تمكنت مع ظهور الفضائيات شريحة واسعة من الجمهور من الظهور فكشفت ما لم يكن يسمح له بالظهور مسبقا فنشروا ما لديهم وصوتوا في الـ sms وانهالوا على الفضائيات بغزارة.

هؤلاء فئة تمثل معظم الجمهور حينها، وعندما رأى المثقفون هذا الكم الهائل يصوت لبرامج الفضائيات، ولا يبتاعون كتبهم؛ وبالمقارنة بين انهماك الناس على هذا الشأن، وقلة مبيعات كتبهم، و رأى هذا الكم الهائل من الفكر السطحي..

قال إن الفضائيات أفسدت الأذواق.

وفسر ذلك بعزوف الناس عن الثقافة بفعل الفضائيات؛ بينما أقول أنا إن المثقف العربي كان واهماً عندما ادعى لنفسه تمثيل الناس، وان الناس أو الأغلبية هم هؤلاء الذين لم يمثلهم أو يكترث لوجودهم.

وان الأمر لم يتغير، لأنه لم يكن هناك قارئ، ولم يزل ليس هناك قارئ، والأسباب ليست في ارتفاع سعر الكتاب؛ لأن التصويت عبر المسجات يكلف أكثر، إذن الجمهور عازف لأن المثقف لم يكن يتحدث في شأن يهمه، أو يريه ذاته. هي فقط الفضائيات سمحت بظهور هذه الشريحة الواسعة.

وتعلق الكاتبة السعودية د. خيرية السقاف قائلة: إن انصرف نفر عن الكتاب لغلو سعره فإنها ليست حجة الجميع وعلى وجه خاص فئة القارئين النهمين لمتابعة نبض المثقف، وإن لم يكن نبضه يرهج بما يمثل واقع قارئه فإنه مهدر في فراغ.

لذلك لم يقبل القارئ على البحث عما هو غير موجود فوفر عليه وجهل الناس أسماء تبرق حول نفسها؛ ربما هناك مثبطات لكنها ليست معيقات. المثقف العربي لابد أن يتصالح مع هويته بدءا كي يتعارف ويتآلف مع قوميته، ومن ثم يقبل عليها يتناولها برحمة ورغبة.

بينما يأتي تعليق الكاتبة السعودية بدرية البشر من خلال وصفها للوضع بأنه مرض عربي، وتضع المسؤولية في انصراف الناس عن القراءة على نظم التعليم في المجتمعات العربية والاهتمام بالكم على حساب الكيف، ناهيك عن أساليب التعليم المنفرة.

* و تعلق الكاتبة شيخة الجابري قائلة: عودنا د. عبد الله الغذامي على الآراء التي تمثل منعطفا فكريا في تحليله لواقع المثقف العربي والخليجي على السواء، وهنا من خلال هذا الرأي فإنني أجد انه يحمل شيئا من الصحة في جانب وشيء من عدم الدقة في الجانب الآخر فالمثقف مهما تعالى .

أو ذهب بفكره بعيدا عن الإنسان أو الواقع المعاش فهو في كل الحالات ابن البيئة التي خرج منها وينتمي إليها؛ إذن هو ينتج ويصب هذا الإنتاج في الإطار الشرعي، وهي عملية تدوير أو إعادة إنتاج ليس إلا.

هذا عن المثقف بوجه عام أما قضية أن بعض الكتاب لم يصلوا للقراء لأنهم متعالون أو لم يستطيعوا لمس القضية لدى الإنسان؛ فهذا صحيح لكنه خارج إطار التعميم .

حيث القلة هم من ينطبق عليهم هذا الرأي، وقد يكون د. الغذامي مثلا احدهم؛ لأنه يخاطب فئة المثقفين وليس المعدمين؛ إذن هو ذاته خرج عن إطار محاكاة الآخر ولمس معاناته، وغيره كثر.

من جانب آخر هناك المثقف الغارق في الشأن العام الذي يكتب للناس ويعيد صياغة قضاياهم برؤى أخرى ربما تساهم في حل جزء منها، وهذا يصل للناس سواء ارتفعت قيمة مؤلفاته أو انخفضت وليس أكثر دلالة هنا من أديب نوبل العربي نجيب محفوظ الذي تباع رواياته على الأرصفة .

وهو يروي هم الناس وحكاياتهم، ووصل إليهم بجدارة. إذن الموضوع يحمل رؤيتين ولا تنطبق عليه صفة التعميم. عن نفسي ومن خلال تجربة متواضعة اكتب للبسطاء من الناس وتصلني ردود أفعالهم أولاً بأول اكتب قضيتهم الوطنية والاجتماعية.

وهمهم الداخلي وشجنهم الذاتي، وكل ذلك يجد الصدى الطيب الذي يرضيني لله الحمد واعتقد أن الكاتب يجب أن ينغرس في حياة الناس ويلامس قضاياهم ومشكلاتهم لأنه لو خرج من هذا الإطار سيكون "منبتاً" ومتصنعاً ومتكلفاً ولن يصل إليهم حتى لو بيع كتابه بدرهم واحد.

في السياق نفسه نتلقى تعليق الأديب أنور الخطيب حيث يختلف مع د. الغذامي حول أسباب انصراف الناس عن القراءة ويتفق معه في معظم ما قاله عن المثقف العربي ويقول:

إن عزوف الناس عن القراءة ليس بسبب غلاء سعر الكتاب وإنما المؤسسة التي تطبع الكتاب والجهة التي توزعه، فإذا توحدت الجهتان أصيب الكتاب والكتب في مقتل، إذ اختفت معايير الإبداع والإضافة والتميز لتحل محلها معايير القدرة على الدفع.

وهو معيار غالبية دور النشر في وطننا العربي، الأمر الذي أدى إلى اختلاط الصالح بالطالح، وسيادة التافه على المتفوق، وسيطرة الكم على الكيف. واتفق مع الغذامي في مسألة عدم اكتراث المثقف لوجود الناس، لأنه في الأصل لم يكترث لوجوده، فهو متحالف مع السلطة طالما كانت في خدمته.

وساكت عنها طالما رفعت يدها عنه، إضافة إلى ذلك فإن المثقف العربي بشكل عام تنقصه الخبرة في التعاطي الفعلي مع الأمر العام، والقضايا الرئيسية، فهو غير ثوري، مهادن، ومتحذلق في اغلب الأحيان، يميل إلى التنظير أكثر من العمل.

وبالتالي همش دوره في ما يتعلق بالشأن العام، متذرعا بغياب الحرية، في الوقت الذي يجب أن يكون فيه صانعها ورائدها، ومتذرعا بتغير الواقع وبالمستجدات، في الوقت الذي يجب أن يكون فيه أداة التغيير.. ولننظر إلى كبار المثقفين .

وكيف انهم يتلونون كتلون الحرباء.. وإذا جاز لي الحديث عن نفسي، فإنني كأديب أمثل إنسانيتي في بعدها الخاص والعام، اكتب ما اشعر انه صوت شعبي في بعده السياسي والاجتماعي والعاطفي.

وبهذا، فإن الأديب يمتلك تنوعا في الخطاب أكثر من المثقف، الذي يمتلك تغيرا في الخطاب. لكن هذا التوجه (الصوت الشعبي) محارب منذ سنوات، نظرا لخضوع وسائل الإعلام للسياسات العامة، دون أن تكون ناطقة وممثلة للناس. وكنت أتمنى أن تكون تلك السياسات نابعة من أرضها العربية.

فهي في الغالب قادمة إلينا على دبابة و صاروخ وطائرة، ومحمولة أحياناً على مصطلحات ونظريات العولمة والنظام العالمي الجديد وثقافة السلام. وهي مصطلحات تؤطر لهزيمتنا ولانتصارات الآخر.

* أما الروائي الإماراتي علي أبو الريش فيقول بشاعرية:

الرواية، لا تطرح إجابات الواقع بل هي، تضع الأسئلة، خارج النبوءات، والأفكار الجاهزة، والسقوف المعدة مسبقا، ومنذ البدء كانت الحكاية، وكانت المنطق على لسان، كائن عار من كل شيء إلا الأسئلة. القابضة على جمرة، الشوق، لكون يبدو شاسعا، لا تحده إلا قيمة الرواية.

ولا تتوازى مع كينونته إلا شخوص الرواية، تلك الشخوص، التي تتشافه مع لا شعور جمعي، أروع ما فيه انه خارج الواقع.وفوق مفرداته الساذجة، هي في الحقيقة رواية الإنسان؛ اجل نحن أمام معضلة كيف نفهم الرواية.

وكيف نخرجها من سعير التنظيرات الباهتة، والساقطة في زلزلة الأفكار المغموسة، بحثالة قهوة عربية، تركها أصحابها منذ زمن ثم عادوا ليفتشوا عن الحظ في قاع الفنجال.. نحن بحاجة لأن نمارس شهوة الكتابة ومن ثم نعيد صياغة أفكارنا حول هذا الوجود الذي تأتي الرواية كفضاء له يمطره بالأسئلة.

ويتسع معه إلى أن نصل إلى معنى الرواية كحقيقة لا تقبل التصفيق لها بقدر ما تحتاج إلى ممارسة الصدمة تلو الصدمة، نحن بحاجة إلى صدمة الرواية لكي نعيش ولكي نحلم ولكي تكبر أمنياتنا بحجم الكون الوسيع.

والخلاصة؛إن مثل هذه الطروحات تفرض نفسها كلما أحاطت بالمرء أزمة تفاعل المثقفين خاصة، وانصراف الناس عن الكتاب وعن القراءة عامة؛ الأمر الذي دفع إلى استمزاج تلك الآراء لبعض المهجوسين بالثقافة والإبداع فكانت صدمة حين .

واجهتنا مشكلة عدم التجاوب وعدم التعاون من قبل عدد ممن طرقنا آراءهم؛ بل بعضهم تعامل معنا باستخفاف واستهانة، هذا البعض الذي لا يتردد هو نفسه عن ابداء عجبه باستياء من سلبية الواقع الثقافي، وطرح الأسئلة حول كيفية العلاج أو إمكانية الحل، أو على الأقل الاستعداد لتحريك الركود السلبي.

فاطمة محمد الهديدي