قامت جريدة "البيان" مع عدد من الفنانين والنقاد والمختصين بجولة في متحف الشارقة للفنون لرصد الانطباعات والملاحظات والاستنتاجات التي تشكلت عن مهرجان الفنون الإسلامية.

وكانت الانطباعات الأولية قد تقاطعت حول تكامل المعارض الثلاثة المكونة للمهرجان، إذ أوضح هشام المظلوم مدير إدارة الفنون، المشرف العام على المهرجان منذ تأسيسه، ان من العمارة الإسلامية من خلال العمارة الاندلسية التي اخذت صيتها في العالم ككل، كتاريخ وحضارة وفنون زخرفية ومعمارية تمتد وتتواصل مع المغرب العربي. تتكامل في المهرجان مع المنمنمات الإسلامية التي تعرض لأول مرة في الدولة وهي مزيج بين الزخرفة الاسلامية العربية وتواصل رسوم قديمة خارج الألوان وتطورت لتعبر عن النقاء والحب والتصوف.

اضافة الى مجموعة من التصاميم الزخرفية المذهبة دقيقة الصنعة، والتجربة الايرانية المميزة في خط "النستعليق".. ويكمل المحورين، فن الخط العربي الذي يعكسه معرض المرئي والمسموع في دورته الثامنة.. وهذا التكامل . كما يضيف مظلوم ــ في المهرجان يعكس انتاج مسافة جغرافية كبيرة تمتد من الجانب الأوروبي في اسبانيا إلى المغرب العربي نزولاً إلى شمال افريقيا وبلاد الشام والخليج وصولاً إلى ايران، في تناغم وتمازج بين القديم والجديد وبين الغرب والشرق في تنوع ثقافي وتاريخي وحضاري.اللافت في المهرجان كما يؤكد الفنان طلال معلا، هو مشاركة مجموعة من الفنانين المحليين بانجازاتهم في معرض المرئي والمسموع وهو من المعارض التي رسمت في أرض الإمارات ملتقى الشارقة لفن الخط العربي الذي تحول إلى فعالية دولية.

وتجربة تخص الشارقة في مجال الفنون التي تعتمد على استخدامات الحرف العربي والمفردات الزخرفية بشكل عام، سواء اكان هذا الاستخدام من ما بعد الحداثة أو من الاشكال التقليدية القديمة.

ويرى معلا ان الكتابات المرافقة للصور في معرض الفن المعماري الاندلسي ربطت بين الفن والمرحلة، والتواريخ أبرزت للمشاهد التفاصيل في المعمار والاقنية والبساتين والاحياء والزراعة..

نقلت له الماضي الى الحاضر، أي قدمت له شكلا من اشكال الحياة.. واللافت ان المعرض يجيب على سؤال يطرحه الاسبان: لماذا تمت المحافظة على هذا المعمار؟ لماذا لم يهدم باعتباره من فترة سابقة؟

المعرض يقول ان الاسبان حافظوا على هذا التراث كونهم ينتمون إلى الفن الانساني والابداع الانساني على الرغم من هذه الاماكن المهمة قد جردت من دلالاتها الدينية ــ بدلا من هدمها ــ فقد صارت المساجد قرب أو داخل الكنائس او تحولت الى متاحف.. وبكل هذا، المعرض يعكس الاستقرار الذي شمل تلك المنطقة والذي لولاه لما تحقق هذا المعمار الجميل..

لاجديد

الفنان المغربي حكيم الغزالي كمشاهد ومشارك يقول بكل صراحة: المهرجان لم يأت بجديد، والنمط التركي هو السائد، بينما الخط العربي لا يوجد له ذكر، وحتى في تركيا ذاتها ــ مع اننا لا نملك من الخط العربي الا اسمه ــ يطلقون عليه خط التراث.

ويتساءل الغزالي: الخط فن أم علم أم فلسفة؟ وفي جميع الحالات الفن والعلم والفلسفة في تطور دائم، بينما الخط العربي الذي يزيد عمره عن 14 قرناً لم يتطور من الراقم إلى يومنا هذا؟!

كل ما يحدث هو استنساخ.. الألف تكتب من الرأس إلى البطن إلى القاعدة بست نقاط.. مازالت بست نقاط، ولا احد يتجرأ على التغيير. من يحاول تطوير الخط العربي يتهم بالانحراف..

محمد سعيد الصكار حين اجتهد وطور الخط خارج التركي السائد تم تحييده وكذلك محمد الاخضر غزال، طوّر خطا مطبعيا لكن الهيمنة ظلت لتركيا على الصعيد العربي، بينما الايرانيون صارت لهم خصوصية.

الفنان السوداني تاج السر حسن مدير تحرير مجلة "حروف عربية" يشاطر الغزالي رأيه حول الجديد، حيث يقول انه لم ير جديدا في المعرض سوى ابرازه لقدرات بعض المشاركين فيه.

ويعزو ذلك إلى ضعف في المشاركة في الدورة الثامنة بسبب انشغال الخطاطين بالتحضير للفعالية الكبرى للخط العربي العام المقبل »ملتقى الشارقة الدولي لفن الخط العربي"، لكنه ــ أي تاج السر ــ يرى ان الخط العربي مشروع فني كبير .

ومستمر وأفقه ليس محدودا بتيار التقليد الذي ينتهج الاساليب الخطية التي اشتغل عليها الاتراك وابدعوا فيها واصبحت آسرة وعصية علينا نحن العرب لافتقادنا تقاليدها الرصينة. ويؤكد ان الحرف العربي ليس حكراً على أحد، حيث نجد المسلمين من غير العرب ينتجون أعمالاً فنية غاية في الابداع والجمالية.

وهناك خطاطون للحرف العربي في الصين واندونيسيا وماليزيا واليابان وأميركا، وفي افريقيا كذلك ينتهجهون اساليب تتماهى مع بيئتهم، كما أن بيننا من الفنانين العرب من نجح في الاضافة للتيار الاصيل »تيار التقليد« تيارات وأساليب جديدة.

. وعلينا الا ننسى ان تراثنا الخطي في المخطوطات وعلى العمائر والموجودات المتحفية تراث زاخر بإبداعات الفنان المسلم في جغرافية واسعة، مما يدل على ان منتج الخط العربي لا يمكن حصره أو قصره على تيار او اسلوب واحد.

أين التشابه؟

طلال معلا يقول انه للوهلة الأولى يكاد يجزم المشاهد العادي ان هذا او ذاك الخط يشبه الخطوط الاخرى، لكن بالتمعن في هذه الخطوط يجد النقاد والمختصون الفوارق، ويتابعون التطورات التي طرأت على الخطوط،.

وينطبق هذا على خط »النستعليق«، فهو من الخطوط اللينة التي تحتمل الكثير من المشاعر التي تتدفق بحيوية لا متناهية.. وقد تطور هذا الخط العربي في ايران وافغانستان وباكستان.. ولم يتطور في بلادنا المنتج الأساسي لهذه الخطوط.

من جهة يرى تاج السر أن المشاهد يلاحظ ان ثمة تشابها بين الخطوط ولا يجد تفسيرا لذلك، وقد يعتقد ان الأعمال مكررة عن أخرى تاريخية سبق وشاهدها، لكن في حقيقة الأمر التيار القوي للخط العربي هو ذلك الذي يتكئ ويحافظ على التقاليد المتوارثة فيه، وتكون تكويناته النمطية من مثل الدائرة وتوابعها من الأشكال الهندسية.

وكذلك أساليبه الخطية التي أصبحت معروفة، مثل خط الثلث الجلي وخط الديواني الجلي وهما اللذان يتيحان اكبر قدر في نسج الحروف وتداخلها مع بعضها البعض، تكوينا للكتلة النصية البصرية، اهم قوام هذا التيار.

ويؤكد تاج السر أن المشاهدين تعودوا ان يروا هذا التشابه لتعودهم على مشاهدة مثل هذه الأعمال التقليدية، ولا سيما في تكرارها بالنصوص القرآنية، مع العلم ان محتوى التكوينات، يكون مختلفا دائما اذا ما دققنا النظر..

ومع ان الأساليب الخطية تظل هي الأساليب المستخدمة ــ مع فتح الباب لأساليب جديدة ــ إلا ان موضوع التأليف الخطي هو الباب الاكثر رحابة لتجديد الخط العربي في اعمال معاصرة، ان استطاع الخطاط ان يستكشف امكانيات اكثر لتقنيات الصورة الخطية.

محمود ابوحامد