لم يكن " روبرت كابا " (1913 ــ 1954) قد تجاوز الخامسة والعشرين من عمره عندما لمع نجمه كأحد أهم الأسماء المعروفة في مجال التصوير الفوتوغرافي الصحفي.

وقد عرف عنه فيما بعد سعيه لأن يكون في قلب الأحداث على الرغم مما كان ينطوي عليه ذلك من مخاطر كانت تهدد حياته، التي نذرها لتلك المهمة، وجاءت عبارته الشهيرة »إن لم تعبّر الصورة الفوتوغرافية عن الحقيقة، فإن ما ستعبر عنه بالتأكيد هو الابتعاد عن موقع الأحداث".

لقد ظلت صورة هذا الرجل كما هي، حتى يومنا هذا، أي بعد مرور نصف قرن على رحيله المبكر في الهند الصينية عام 1954، رمزاً للمصور الحربي الجريء، والمقاتل الصامد، رفيق جون شتاينبك، وصديق همنغواي.

غير أن تلك الصور التي التقطها من مواقع الأحداث لم يتسن لأحد مشاهدتها في معرض خاص بها أثناء حياته. حيث أن كل ما عرف عنه في تلك الفترة كان قد ظهر في بعض المجلات المهتمة بعرض الصور الفوتوغرافية ومنها على سبيل المثال مجلات "لايف" و"فو" و"ريغاردس" و»ماتش". وكما يبدو فقد كان في ذلك ما يكفي بالنسبة له.

كابا من وجهة النظر الواقعية لم يعتبر نفسه فناناً في على الإطلاق، وعوضاً عن تلك الصورة المفترض أن ترسم له كان يعتبر نفسه مجرد صحفي عادي. وعلى الرغم من ذلك فإن ما يميزه عن أي مصور فوتوغرافي معاصر، قد يرى فيه النموذج الحقيقي.

هو تلك الحقيقة الكامنة في أن هذا الرجل لم يعرف عنه على الإطلاق السعي إلى تضخيم صورته بهدف تحويل إنجازاته إلى بانوراما واسعة الانتشار.

على الرغم من أن ما يعرف عن هذه الشخصية التي يعود إليها الفضل في ابتكار ما صار يطلق عليه في مجال التصوير الفوتوغرافي مصطلح "الماغنوم"، الصورة الفوتوغرافية المتضمنة نوعاً من التعبير الحركي الرمزي الذي لا يمكن مقاطعته بشكل من الأشكال، هو تفكيرها الملتزم البعيد عن الاستعراضية والمبالغة في التأويل.

وهو ما يظهر في اختياره لبعض اللقطات المتضمنة تعبيراً فنياً حياً مرتبطاً بالواقع. على الرغم من أن كابا لم يكن، في حقيقة الأمر، مهتماً بالمبالغة في تقديمه التجربة الجمالية للحرب.

على الرغم من ذلك فإن شيئاً لم يحل دون تحول إحدى صوره الفوتوغرافية إلى أيقونة للجمال. إنها صورة »الجندي الذي يسقط ميتاً«، التي التقطها في عام 1936 أثناء الحرب الأهلية الإسبانية.

وهي صورة توثيقية لتلك اللحظة التي يصاب خلالها أحد الجنود الجمهوريين الليبراليين الموالين للاتحاد السوفييتي بطلق ناري لكي تتابع عين المشاهد لحظات سقوطه. إن هذه الصورة التي لا تزال تحظى بالشهرة العالمية تحتل في الوقت الراهن موقعها بين الصور التي يعرضها متحف "مارتن غروبيس" الألماني للصور ضمن ما يطلق عليه بشكل يفتقر إلى الدقة المعرض الاستعادي.

وهو معرض يشتمل على 300 صورة فوتوغرافية مختلفة تؤرخ لأحداث مختلفة وفقاً لتسلسلها الزمني. تشرف على تنظيمه "المكتبة الوطنية الفرنسية"، التي أطلقت عليه في الأساس اسم "ما نعرفه وما لا نعرفه".

غير أن أحد رعاة الحدث المهمين هو، رتشارد ويلان، مؤلف سيرة حياة كابا وقد تمكن هذا الأخير من الاستفادة للمرة الأولى، وعلى نحو رائع، من أعماله المبكرة التي تغطي موضوعات منها على سبيل المثال "جولة فرنسا" .

وهو وثيقة كلاسيكية مؤلفة من 200 صورة فوتوغرافية ضمن تحقيق صحفي أنجزه كابا في تلك الأثناء. هذه الصور تحمل كلها ما يشير إلى هوية الشخص الذي قام بالتقاطها.

إلا أن ثمة مفارقة تظهر هنا لكي تعبر عن نفسها في الحقيقة القائلة بأن تلك الصور التي لفتت إليها اهتمام العالم وهي لا تزال في شكلها الكلاسيكي البسيط قد بدأت بالتحول إلى أعمال فنية.

لقد عاش هذا الرجل حياته مرتحلاً غير راغب في الاستقرار، مستأصلاً من قبل الأنظمة الراديكالية السياسية الأوروبية.ولد كابا في بودابست سنة 1913 واسمه الحقيقي، اندريه إيرنو فريدمان، وذهب إلى المنفى بإرادته وهو في السابعة عشرة.

على الرغم من رغبته في دراسة الصحافة أثناء إقامته في برلين، إلا أنه واجه مقاومة شديدة من قبل والديه اللذين نجحا في إجباره على العمل في سن مبكرة من أجل الحصول على المال.

في أثناء عمله في وكالة، ديفوت، للتصوير الفوتوغرافي التي كانت تتخذ من برلين مقراً لها، أرسل إلى كوبنهاغن حين أسندت إليه المؤسسة مهمة التقاط صور فوتوغرافية، لتروتسكي، أثناء إلقائه أحد خطاباته المهمة هناك.

كانت تلك المناسبة الخطوة الأولى على طريق النجاح. وفي غضون سنوات قليلة تسنى له التحول إلى مصور فوتوغرافي معروف تظهر صوره على أغلفة الصحف المهمة.غير أن نظرة كابا إلى الحياة كان يشوبها نوع من التأثر بكرهه الشديد للأنظمة الدكتاتورية.

فقد غادر ألمانيا، في المرة الأولى، فور صعود هتلر إلى السلطة. وفي فرنسا، موطنه الجديد، لم يحصل على الدعم الكافي من مؤيديه القلائل المنتمين إلى، الجبهة الشعبية، التي كان هو الآخر من المنتمين إليها.

لكن كعادته لم يتوان كابا عن الزج بنفسه في الخطوط الأمامية، حيث كان يشاهد هناك في قلب الأحداث مستبقاً طلائع قوات الحلفاء سواء كان ذلك أثناء وصولها إلى نورماندي، أو أثناء تحليق المظليين الأميركيين في سماء مدينة وسيل الألمانية استعداداً للهبوط.

إلا أنه كان معروفاً بنظرته التي تنأى عن النظر إلى الحرب باعتبارها مسرحاً لأشياء فاحشة، على الرغم مما كان يحيط به من مشاهد الموت والدمار. وعوضاً عن ذلك كانت الحرب قد ارتبطت في ذهنه بنظرات الضحايا المحدقة، المتحجرة، أو الغائبة عن الوعي، الضائعة في حمى البحث عن الأقرباء أو كارثة الوقوف بين أطلال المساكن المهدمة بفعل القصف.

عندما تقرر إرساله إلى الهند الصينية في عام 1954، تلقى كابا النصيحة التالية التي قدمها أحد أصدقائه » إن هذه الحرب التي يخوضونها هناك ليست حربنا »إلا أنه لم يتوان عن السفر إلى هناك بدافع الحاجة إلى المال من جهة وبرغبته الشديدة في الذهاب إلى كوريا، الطريق التي قادته أخيراً إلى فيتنام.

أو المكان ذاته الذي لقي فيه حتفه في 25 مايو من نفس العام في انفجار لغم أرضي. على الرغم من موافقة الحكومة الأميركية على دفنه في مقبرة أرلينغتون العسكرية باعتباره بطلاً قومياً.

إلا أن ذلك الاقتراح كان قد لقي معارضة شديدة من قبل أمه التي عبرت عن سخطها الشديد على تلك الحرب بقولها » إن بإمكانكم أن تنسوا ذلك. لقد كان يكره الحرب".

ترجمة : مريم جمعه فرج