يرى الكاتب الروائي جمال الغيطاني ان الشعر العربي اليوم أصبح في حالة احتضار، ويشمل الاحتضار الشعر الفصيح والشعر الشعبي أيضا الذي اصبح رمزاً للانحلال والانحطاط خاصة في الأغنية العربية التي يتسيد فيها الجسد في مكان المعنى..

ويحق للغيطاني، وهو الروائي المتميز عربياً، ان يعلن أيضا عن موت الشعر العربي سريرياً وكلياً طالما استمر الراهن المعيشي على هذا الحال.. وهو موت سيتبعه بلا شك موات آخر للقصة القصيرة والرواية والحقيقة وغيرها من ثوابت الابداع والمعرفة.

الاعلان عن موت أو احتضار الشعر هذا هو في السطح الثقافي العربي فقط، وفي المشهد الرمادي الكبير الذي يظلل صورة الثقافة العربية اليوم ويمنحها لونها وابعادها، ذلك لأن الرماد بطبيعته عنصر هجين وغير أصلي ولا يدوم.

وتحت الرماد سيظل جمر الابداع الحقيقي في الشعر حيا ينبض الى ان تهب رياح التغيير الموسمية فتنفض الرماد عن الورق والعقول والمجتمعات، وساعتها سيكون للشعر المهمل الآن تحت الرماد القول الفصل..

خصوصا النصوص العالية التي ينتجها الآن العشرات من الشعراء الحقيقيين المهملين بسبب تسيد مفاهيم القمع الثقافي وانتشار ظواهر الاستهلاك وتلبية الغرائز ومن بينها غريزة (الجهل بالشعر) وبالتالي نبذه ومحاولة اعدامه.

العشرات من الشعراء العرب المقيمين في اوروبا يجدون التقدير والاعتراف بأدبهم، ولدينا شاعر هو (أدونيس) مرشح منذ سنوات لجائزة نوبل للآداب، لكن هذا الادونيس هو العدو الأول لجميع المسؤولين في المؤسسات الثقافية العربية،.

وهو العدو الاول ايضا للكثير من اصحاب العقول المتحجرة التي لا تزال تنظر الى الشعر باعتباره ملكية خاصة لا يجوز دخولها الا بشروط صارمة وعدم الاخلال بقوانينها المرعية منذ مئات السنين.. وهؤلاء قد يقبلون بالتجديد في الرواية والقصة والفنون والموسيقا بكل رحابة صدر ، الا في الشعر فهو ملكية قديمة وشبه مقدسة لا ينبغي المساس بها..

أزمة الشعر العربي حاليا ليست بسبب انتشار ظاهرة الاستسهال في كتابة قصيدة النثر، والدليل ان الشعر الشعبي الجماهيري بدأ هو الآخر في الانحسار والتراجع لصالح الشعر الغرائزي والاباحي الذي انتقل الى الأغنية العربية وانتشر معها في البيوت والاسماع ..

إنها باختصار أزمة مرحلة لا أقل ولا أكثر.. مرحلة (الاختناق الكبير) للفكر العربي الذي اصبح عاجزا عن التعاطي مع العالم سياسيا(رفض الديمقراطية والعجز عن تطبيقها)، وفكرياً وفلسفياً..

اذا كان الشعر العربي يحتضر الآن كما يرى الغيطاني، فهذا معناه ان الجفاف تسرب بشكل كبير الى روح الأمة ولغتها ومخيلتها.. موت الشعر العربي سريرياً معناه شلل العقل.

.. معناه انتحار العاشق لانه لا يجيد صياغة الكلمات تحت ضوء القمر.. ومعناه توقف صرخة الثورة والحب والحياة وانحسارها مثل غصة في الحلق.. ولكن الى حين.

akhozam@yahoo.com