الفنان التشكيلي عبد المحسن خانجي يتعاطى رقصة المولوية باحثا فيراها من داخلها، يرى الراقصين وهم داخلون لابسين الثياب البيضاء ثيابا يثوبون بها إلى الله كما الأكفان حين تدرج فيها، وندرج معها لنصير ذاك التراب الذي يشيدون منه تلك القباب التي يطلع عليها القمر في ليلة ظلماء.
المولوية رقصة لكنها رقصة ليست ككل الرقصات، فلباسها »الثوب« الأبيض يعني الكفن، والمعاطف السود ترمز إلى القبر، والقبعة، القبعة العالية ذات الشكل المخروطي .وهي من اللباد، تعني الشاهدة، ــ شاهدة القبر، الفنان التشكيلي عبد المحسن خانجي هو يعرف هذه، ويعرف أيضا ان الشيخ الذي يدخل عندما يكون الراقصون ـ الدراويش ــ في حالة استعداد فيحييهم .
ويردون عليه التحية بإيماءة، ثم يجلس أمام البساط »الأحمر« الذي يعيد لونه إلى الأذهان ذكرى لون الشمس الغاربة بذاك اليوم من عام 1273م عندما توفي جلال الدين الرومي..
ويعرف أن هذه تعني الاستعداد للتحليق في السماوات ــ في الفضاء حيث الروح تبحث عن حريتها، عن لحظة تسترد فيها شجاعتها، فلا طويل ولا قصير، ولا ضيق ولا عريض، ولا مستبد ولا عادل، ولا عادل إلا ذاك الذي فوق ــ فوق حيث تتماهى الروح به ــ تراه ويراه.
وتنظر من علٍ إلى تحتٍ فترى وتسمع المغني يترنم بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم، والعازف، عازف الناي ينضح فيها فيطلع ذاك السهم، تلك السهام النارية تطلع صوتا ولونا والطبل يكف عن القرع.
والشيخ تتقدم دراويشه ببطء، يمشي ببطء، ثم يدورون معه دورات ثلاث في الساحة، ساحة الرقص، دورات يطلبون فيها التقرب من الله، التقرب إلى الله عن طريق: 1 ــ العلم، 2 ــ الرؤية، لأن فيها مكاشفة، ندية، أراك وتراني، 3 ــ الوصال.
وبعدها يرتاح الشيخ. فيأخذ مكانه ويجلس على البساط »الأحمر«، ويرمي الدراويش معاطفهم تلك ذات اللون »الأسود« متخلصين من القبر. فنرى الأبيض ــ أبيضهم، فيطلبون من شيخهم أن يأمر ـ يئن لهم بالرقص.
ويبدأ الرقص ــ يبدأون الدوران ببطء رافعين أذرعتهم، سواعدهم كأنها أجنحة نسر، بينما راحة يدهم اليمنى تنبسط متوجهة إلى فوق ــ فوق إلى السماء لجمع الرحمة الإلهية. اما اليسرى، راحة اليد اليسرى فتأخذ الرحمة من اليمنى وترمي بها إلى تحت، إلى الأرض.
حيث تتبخر هذه التي اسمها "الرحمة" من يبخرها؟ من يبخرها ليترك هؤلاء الراقصين في حالة استنفار، في حالة دوران، وفي جرأة شديدة لا يخشون فيها أي انهيار أو سقوط يمكن ان يحدث أو حدث. وكأن أرواحهم هذه التي تحلق.. تعيش في نار »متقدة« أسكرها الحب ــ حب ذاك الحبيب الذي لا يشبعون من النظر إليه.
الفنان الخانجي يلتقط هذه ويزرعها في وجوههم انفجارا كامنا، حرارته في داخله مستعرة يقظة، حرارته حرارة نار بركانية تتبجس من أعماق الأرض، من أعماق النفس التي تنضح بقوة وحب في الناي، الناي التي يقول لها الرومي: نحن الناي وموسيقانا منك، وكأنه وطاغور الذي طلب من الله ان يجعله في قصبة لكي يملأه بموسيقاه على حق.
يقول الرومي في إحدى رباعياته: سألت الناي: ما شكواك، وأنني لك ان تنوح من دون لسان؟ فأجابني: فصلت عن القصباء ولا استطيع البقاء من دون نواح ونحيب. أنا الناي:
أريد صدرا مزقة الفراق حتى أشرح له ألم الاشتياق، لأن المولوي يرقص، يتحرك على صوتها ــ صوت الناي ــ فالموسيقى ــ موسيقاها حسب الروسي: "نار" وليس "هواء" منفوخا، فلا كان من ليست لديه هذه النار، لأن نار العشق .
هي التي حلت في الناي، مثلما أن جيشان العشق هو الذي جعل الخمرة تغلي. بل أن جلال الدين الرومي يؤكد: بأن الناي حفيّ كل من أبعد عن حبيب، وأنغامه مزقت، تمزق، ما أسدل عن أبصارنا من حجب.
وعلى صوت الناي يندفع الدراويش »المولوية« في الرقص »الدوران« الذي يفسره الرومي بأنه يمثل المسارات الدائرية للكواكب وحركة الكون، ذلك أن الكواكب تدور حول الشمس وحول مركزها.
وإلى جانب الناي ــ حيث صوته صار نائحاً في كل ندى وغدا ملازما لأهل الآلام ولأهل السعادة. نسمع صوت »الطبول« التي تذكر »بالصور« يوم القيامة ودائرة الراقصين مقسومة على نصفي دائرة، يمثل أحدهما قوس النزول أو »تلفف« الروح في المادة، ويمثل الآخر قوس صعود الروح إلى الله سبحانه.
لم يكن السماع عند جلال الدين الرومي مجرد احتفال ديني، بل هو استجابة عفوية تكشف عن حركة الروح حين يسكن الجسد، وعن سكون الروح حين يترك الجسد، لأن اللهب ــ لهب الوجد ــ هو الذي يشق السبيل للبصيرة التي تركب أجنحة الفكر كي تحلق فترى الساكن متحركا، وترى المترك ساكنا، فتراه، تراك، فلا يريان.
الفنان عبدالمحسن خانجي في »مولوياته« هذه حاول رسم لحظة »الوجد« هذه حاول القبض على لهب نار الروح حين تنزع عن الجسد لباسه فتقشره ــ تقشر »الطين« فتفصل الماء عن التراب، فلا تعود ترى إلا الشوق، والهيمان.
أنور محمد

