ماذا لو عاش تشارلز ديكنز في القرن الحادي والعشرين وكتب رواية مثل روايته الشهيرة »منزل بليك« التي يعتبرها النقاد أول رواية بوليسية في الأدب البريطاني 1852. هل سيأخذها هؤلاء بعين الاعتبار؟

الآن وبعد مرور أكثر من قرن على نشر رواية ديكنز، لماذا لا تمنح أنواع أدبية منها الرواية البوليسية ورواية الخيال العلمي جوائز أدبية رفيعة مثل جائزة بوكر؟ على الرغم من خلفيتها التاريخية، ومصداقيتها الإبداعية وأشياء أخرى مثل مخاطبتها ذهن القارئ واستلهام موضوعاتها من روح العصر، إلا أن ثمة ما يجسد إشكالية بالنسبة للرواية البوليسية يتورط فيها النقد الأدبي في المقام الأول.

»لماذا تعامل الرواية البوليسية على أنها نوع أدبي »أقل أهمية« بالمقارنة بما يسمى الرواية الجادة؟ ولماذا تقطع الصلة بين هذه الرواية وبين ما يسمى بالأدب الروائي الراقي، على الرغم من »وعيها الشديد بمسألة البناء الروائي« و ما تبديه من براعة في معالجة العديد من الموضوعات »الأخلاقية المهمة« التي تدير لها الرواية الجادة ظهرها أحياناً ؟ يتساءل الروائي الاسكتلندي »إيان رانكين«.

ربما كانت الإجابة على هذا السؤال، مرتبطة بالعودة تاريخياً إلى الوراء، إلى الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز . ديكنز كان يحظى بشعبية واسعة، في حين أن رواياته كانت الأكثر رواجاً على مستوى المبيعات .

كانت تلك الروايات تزدحم بشخصيات مستوحاة من المشهد الاجتماعي الحياتي الفيكتوري، كانت ثرية، وكانت بمثابة التجسيد الحي للواقع على صعيده الإنساني بما كانت تشتمل عليه من حس استثنائي بعناصر الزمان والمكان (لندن) على وجه التحديد.

كان ديكنز قد نجح في رسم صورة حية لعالم تهيمن عليه الوحشية، والفساد والبذاءة على نحو يكاد يقترب من العالم الذي يصفه رانكين في رواياته التي تقع أحداثها في أدنبره في سنة 2005 .

ومما لاشك فيه بأن ديكنز كان سيشعر بالمزيد من الفخر لو أنه كان مؤلف رواية مروعة مثل تلك التي تشتمل عليها روايات رانكين التي تدور أحداثها في (زقاق سوق اللحم) حيث »الجدران الرقيقة إلى الحد الذي يتيح للمرء فرصة الاستماع إلى ما يحدث في بيوت جيرانه من تفاصيل دقيقة لا يمكن الوصول إليها في الظروف العادية«.

على الرغم من توخي الحذر لاسيما فيما يتعلق بالمبالغة في المقارنة بين روايتي كل من رانكين وديكنز، إلا أن ما يمكن قوله هنا وهو أنه قبل 150 عاماً من الآن كان الكثيرون ممن يطلق عليهم اليوم اسم القراء المعاصرون يرون في ديكنز الموهبة التي قدر لها أن تحتكر هذا »النوع« الأدبي، ديكنز الذي استطاع أن يأسر بروايته البوليسية عقول الكثيرين، ويستولي على قلوبهم.

في سياق تعليقه على الأسئلة وحول موضوع يتعلق بترشيح رواية، جون بانفيل، »البحر« للفوز بجائزة بوكر البريطانية الرفيعة للأدب يقول، جون سثرلاند، رئيس لجنة المحكمين في الجائزة بأن هذه الجائزة لو قدر لها أن تمنح لإحدى روايات الجريمة لكان ذلك قد حصل في سنة 1922 حيث ربما كانت ستعطى لأحد روائيين هما »أرنولد بينيت« أو»هـ.جي ويلز« وهو ما سيكون مناسباً لروح العصر.

أما في سنة 2005 فإن ما تلقي عليه رواية بانفيل الضوء من موضوعات كالإدمان، والكآبة، والمرض، والتفسخ العائلي، والوهن »يجعلها تبدو ذات نكهة يمكن تسميتها »بالجويسية« هذا بالإضافة إلى الخصوصية المتمثلة في لغتها الإنجليزية المحلية المستخدمة في آيرلندا، ولا بد من أن هذه الأمور كلها هي التي أثرت في ترشيحها للفوز بالجائزة«.

على الرغم مما يقال عن التزام هذه الرواية بالموضوعات التي يطرحها جويس في روايته، حيث يبدو ذلك صحيحاً في واقع الأمر. إلا أن ما يطرحه إيان رانكين من أسئلة حول ما يطلق عليه مصطلح »الرواية الجادة وغيرها من الأنواع الروائية« ما زال يستحق النقاش.

وكما يبدو فإن بعض الأشكال الفنية المهمة، تبدو مستثناة هي الأخرى من الاعتراف بها كأنواع أدبية . إن أي قائمة مقبولة لدى الجميع تتضمن أسماء أفلام مهمة لا بد لها من الاحتواء على أعمال مثل »المفتشون« لجون فورد، أو »ذي بيغ سليب« لهاورد هوكس، أو »ثلاثة عرابين«. هذا النوع من الكتابة غربي، يندرج تحت مسمى قصص الجريمة والإثارة وهو نوع موغل في القدم.

وبكل تأكيد فإن اختيارها ليس من شأنه الإضرار بغيرها من الأنواع الأدبية الأخرى لو تضمنتها قوائم الأعمال المرشحة للجوائز الأدبية التي ليس من المفترض فيها أن تكون حصرية.

الشيء ذاته يمكن تطبيقه على أنواع فنية أخرى، منها الأنواع المسرحية . ألا يمكن اعتبار الكوميديا المسرحية ( الملهاة ) نوعاً ؟ ماذا عن الكوميديا الخفيفة؟

أو ماذا عن هذه الموجة المتدفقة من الأعمال التاريخية والتراجيدية التي ظلت تمثل شريان الحياة الذي يروي نهم الجماهير على مدى قرون طويلة ؟

على الرغم من ذلك فإن الطريق ما زال مسدوداً أمام مشاركة هذه الأنواع الفنية والأدبية إضافة إلى الانقسامات التي تشهدها الجائزة.

وكما يعبر عن ذلك، بي. دي جيمس، فإن عالم جائزة بوكر لا يبدو مهيأً للنظر إلى الرواية البوليسية بعين الاعتبار على الرغم من قدرتها على استيعاب المزيد مما يلقي الضوء على المشكلات الاجتماعية والأخلاقية والتعقيدات الاجتماعية، التي تواجهها المجتمعات الإنسانية في عصرنا الحالي وذلك على نحو لا تستطيع غيرها من الأنواع الأدبية القيام به (الأنواع المتكلفة، على أية حال ).

يعقب رانكين »غير أن عالم جائزة بوكر يبدو في تعامله أكثر قسوة تجاه رواية الخيال العلمي« التي تعالج بعضاً من الموضوعات المهمة، هذه التي تلقي الضوء على مستقبل حياتنا كجنس بشري ـــ على الرغم من ذلك لا ينظر إليها بجدية«.

إن كلاً من رواية الجريمة ورواية الخيال العلمي تبدوان على صواب بشأن المخاوف التي يعبر عنها كتابهما. إذ أن كلاً منهما تعاني من حالة العزل الموشكة على إقصائها على المستوى الإبداعي.

على الرغم من أن أعمال مثل روايات رانكين، وبارونيس جيمس، أو روث رينديل، التي تقتحم بموضوعاتها الحياة في مناطق كالأسواق الشعبية حيث أجواء المعاناة والبؤس، تبدو في تفاصيلها قريبة الشبه بتفاصيل الحياة الواقعية في بريطانيا التي يتزعمها حزب العمال الذي يرأسه توني بلير، إلى حد أنها تبدو مستحقة للظهور على القائمة النهائية لجائزة بوكر.

على أية حال فإن على القارئ أن يتذكر أننا مازلنا متأثرين بأعمال روائيين كبار من أمثال، ريموند كاندلير، وبي. جي. ودهاوس. كما أن أفضل الأعمال التلفزيونية الجديدة لا تزال تستلهم الكثير من موضوعاتها من أعمال سابقة. غير أن عالم بوكر لا يزال محفوفاً بالمعوقات التي تحول دون استيعاب أنواع كثيرة من الإبداع الروائي، وأولها آراء لجان التحكيم التي تميل إلى نبذها«.

بقلم : بيتر بريستون

ترجمة : مريم جمعه فرج