للبساطة جمالها الذي لا يُضاهى، وللحياة أوجه شهية لا تنكشف إلا بالبساطة ومن خلالها، وهناك بين جنبات الواقع، وفي الطبيعة، جماليات خاصة أشبه ما تكون بالكنوز المرصودة التي لا تتكشف إلا على المتابعين الفطنين، وفي أوقات معينة من التجلي، تتفرغ فيها الحياة لنفسها وللآخرين.

هذا الجمال الشعبي البسيط والعميق. هذه الأوجه الشهية للحياة. هذه الجماليات المتجلية في الواقع الشعبي، وضمن ظروف صعبة محكومة حالياً بالفوضى والعجلة والارتجال.

كل هذه الأشياء مجتمعة، تشكل امتيازات مهمة، أمام الفنانين المبدعين، ومادة فنيّة لإبداعاتهم، إذا ما تمكنوا من التقاطها بشكل صحيح، ونقلها إلى هذه الإبداعات، بشكل صحيح أيضاً، سواء كانت لوحة أو صورة ضوئية.

في حمى الركض واللهاث خلف تأمين أساسيات العيش ومبررات الحياة، يفتقد الناس هذه الجماليات الندية المريحة، فتمر من أمامهم، دون أن ينتبهوا إليها، ويستمتعوا بها، ما يحمل الفنان، مسؤولية التقاطها وتجميدها، في لوحة أو رسمة أو صورة ضوئية، تُناط بها، مهمة تذكير الناس بها، وتحريضهم على مراقبتها والتقاطها وهي تنبض جمالاً وحياة.

من هنا، يجب على الفنون الكشف عن كنوز الجماليات الشعبيّة الحقيقية والأصلية والغنية، وكشح الصدأ عنها، وإلقاء الضوء على قيمها ونضارتها والسعادات الكامنة فيها، هذه التي لا تحتاج إلى الكثير من الجهد، لتأخذ طريقها إلى روح الإنسان وقلبه وأحاسيسه .. ذلك لأنها في الأساس، وجدت لهذه الغاية.

هذا الدور المهم للفنون. هذه المهمة الملحة، يلزمها فنان حساس وموهوب، قادر على عجن الواقع بالفن، وإعادة صياغته من جديد، لكن بلغة الواقع وروحه وأنفاسه، وليس بلغة مبتورة، غريبة، ملتبسة، تكرس القتامة بدل أن تخلخلها وتزيلها !!.

محمود شاهين