إشكاليات الترجمة مازالت مستمرة منذ مقولة الجاحظ «الشعر لا يستطاع ان يترجم ولا يجوز عليه النقل.. الخ« والى يومنا هنا، تتقاطع أو تتناقض الاجتهادات والآراء.. فثمة من يقول لا يستطيع ترجمة الشعر الا شاعر.

وثمة من يقول الترجمة خيانة و.. ومع كل هذا الكل يتفق على ان الترجمة من أهم وسائل التثاقف وتبادل المعرفة.. وما يؤخذ على المترجمين إلى العربية تاريخيا انهم اهتموا بالكبار، والآداب الأوروبية، وأهملوا الأخرى كالآسيوية والإفريقية وغيرهما.

الدكتور شهاب غانم، يكسر في كتابه »القصائد من كيرالا« هذه المأخذ لاهتمامه بمنابع الآداب المتنوعة، وتقديمه للقارئ العربي إطلالة جديدة على الأدب الهندي من خلال ترجمته قصائد متنوعة لعدة شعراء من كيرالا، ينتمون إلى تجارب وأجيال مختلفة.

وأغلب تلك القصائد كتب بلغة »الماليالم« فإذا كانت بعض إشكاليات الترجمة تكمن في صعوبة نقل الشعر لما يحمله من خصوصية لغوية، ودلالية وبلاغية، ماذا سيكون به الحال حين يتم نقله من لغة ثانية إلى ثالثة؟

الشاعر البرفسور ك. ساتشيداناندان، سكرتير أكاديمية الآداب الهندية الذي قدم لكتاب »قصائد من كيرالا« يقول: ان اللغة العربية، عبر علاقة امتدت لأكثر من الفرنسية، أغنت الماليالم بالمفردات.

إلى الحد الذي أصبح فيه لدينا لهجة من الماليالم تسمى »الماليالم العربية« التي تمزج كلمات وعبارات اللغتين في مزيج عذب ومخدر، يستعمل بشكل خاص في أغاني »الموبلاه« في ملبار التي تضم أغاني الأعراس، والأغاني المتعلقة بالطقوس الدينية، كمأساة كربلاء.

والأغاني التاريخية التي تتحدث أبطال عظام من المسلمين، حاربوا الاحتلال الأجنبي، كنهالي ماراكار، والاغاني التي تحكي عن ثورة ماليبار، ثورة الفلاحين والفقراء.والماليالم هي اللغة الأم لنحو أربعين مليون نسمة، يعيش معظمهم في كيرالا، وتنتمي إلى عائلة اللغات الدرافيدانية.

ومثل شعب كيرالا الذي يوجد في كل اطراف العالم، فلغة الماليالم استوعبت التأثيرات الأجنبية، بحيث دخلت فيها إضافة للعربية كلمات برتغالية وفرنسية وهولندية.

هذا طبعا إلى جانب كلمات التاميل والكندا والسنكسرينية، وتأثرت اللغة بمعظم آداب العالم مما أسهم في قوتها وحيويتها وطزاجتها.. وحسب الأدلة الموجودة حاليا يعود تاريخ شعر الماليالم إلى ما لايقل عن ألف سنة.

والتأريخ الحقيقي للأدب بالماليالم يبدأ بالأغاني الشعبية التي ترتبط بالعمل والعبادة والبطولات، وأول التآليف الموجودة بهذه اللغة هي الرامايانامات، وأولها راماشاريتام، ويعتبر تنشاثو إزهوثاكشان أبا اللغة والأدب الماليالمي الحديث.

القصائد التي اختارها الدكتور غانم أغلبها كتبت بلغة الماليالم ولكنه نقلها عن ترجمات بالانجليزية، قام بها شعراء وأدباء هنود، وفي بعض الحالات قام بترجمتها الشعراء أنفسهم.

والحالة الوحيدة التي كتبت فيها القصائد باللغة الانجليزية هي قصائد القاصة والشاعرة الشهيرة، المرشحة لجائزة نوبل »كامالا داس« وهي تدافع عن حريتها في اختيار لغة التعبير التي تريد، ويظهر ذلك بوضوح في قصيدتها »تقديم« التي تقول فيها:

قالوا لي: لا تكتبي بالانجليزية

فالانجليزية ليست لغة الأم

لماذا لا تتركوني وشأني أيها النقاد والأصدقاء والزوار والأقارب كلكم جميعاً؟

لماذا لا تدعوني اتكلم بأية لغة أريد

اللغة التي استخدمها تصبح لغتي

بكل تشوهاتها وغراباتها

كلها ملكي وحدي

لقد وجد الدكتور غانم قصائد »كمالا داس« أكثر قرباً وتأثيراً لانها لم تفقد شيئا ما خلال لغة وسيطة، كما وجد قصائد الشاعر ساتشيداناندان أيضا أكثر تأثيرا لان الشاعر ترجمها بنفسه إلى الانجليزية، وربما هذا ما جعل د. شهاب يختار عددا أكبر من النماذج للشاعر.

وهو شاعر حداثي من مواليد كيرالا عام 1946، نشر نحو خمسين كتابا وترجمت أشعاره إلى لغات عدة، ونال الكثير من الجوائز المحلية والعالمية.. وقد أفرد له المترجم في كتابه عشر قصائد منها حضور التي يقول في مطلعها:

أكتب اسمك علي ثلج الصباح

على كل شيء حيث كتب شاعر

يوما ما اسم الحرية

ليست هناك ضرورة لمحو ذلك

كي أكتب اسمك

هناك مساحة كافية للحب

في الأرض والسماء

قسم د. شهاب كتابه إلى قسمين، يحتوي الأول على قصائد لتسعة عشر شاعرا وشاعرة من أدباء كيرالا الرئيسيين المعاصرين.

ومعظمهم ينتمي إلى التيارات الحديثة.. والقسم الثاني يحتوي قصائد لتسعة شعراء من كيرالا مقيمين في الإمارات، وهم أقل شهرة من شعراء القسم الأول وينتمون في غالبيتهم إلى التيارات الحداثية والأدبية المعاصرة.

محمود أبو حامد