كما أشعار درويش، لا توجد قصيدة تشبه الأخرى، لكنك تعرف أنها له حتى دون أن تقرأ اسمه.. وكما الرحابنة لا توجد عندهم أغنية تشبه الأخرى، لكنك تعرف أنها من ألحانهم مجرد سماعها.. كذلك الفنانة نجاة مكي في معرضها الفردي المقام حالياً في رواق الفنون بالشارقة.. لا توجد لوحة تشبه الأخرى، لكنك تدرك تماماً أنها لنجاة من انطباعك الأول المفعم بالدهشة والأسئلة والحث على الدوران بين ومع اللوحات ليتبدى لك رويداً رويداً أن ثمة سمة خاصة تشكل قاسماً مشتركاً لكل اللوحات، رغم تباينها الشديد.. فما هي هذه السمة؟
إذا كان البحث الفلسفي أو التاريخي أو المعرفي، أو الاتكاء على الذاكرة أو الرمز والأسطورة أو.. يميز فناناً عن فنان، فإن ما يميز مكي هو »التقصّي« التقصي كفعل لا يقتصر على الحقائق، حقائق الذات البشرية وتداعياتها، بل تقصي علاقة مكونات اللوحة وبنيتها في حراكها نحو تحقيق تعبيراتها ومدلولاتها الحسية واللونية والمعرفية.. والأهم أن تقصي المكان ـــ كواقع وكلوحة ـــ يعني بالضرورة الدوران حول الذات، أو المركز، وهنا تماماً تكمن العلاقة بين فعل التقصي ودوائر مكي... وبالتالي يخطئ من يعتقد أن إطار اللوحة يحدد تلك العلاقة، أو يبعد عن مكي دوائرها.. والـ »حول« هذه هي ربما ما يجعل البعض يطلق على أعمال مكي انها متوازنة..
ومع عدم تحديد التوازن بالتقابل، أو وجود عنصرين أو خطين، فإن الـ »حول« تجعل لوحات مكي في حراك مستمر، متكاملة الأبعاد ومتماسكة التكوين تتداخل فيها علاقة المركز بالأطراف في تداعٍ يولّد أمواج التأويل دوائر دوائر.. وربما أمكننا القول إن ثمة ضبابية في إمكانية الفصل بين ما هو ذاتي وما هو نرجسي، وما هو خاص وما هو عام، في علاقة مكي بأعمالها وتعبيرات تلك الأعمال من جهة، وفي تسليط دائرة ضوئها على حراك الذات البشرية من جهة، فدائماً لمكي شخوصها الخاصة، ولا تكمن خصوصيتها في أنها ترتدي الزي الشعبي ويتم تجريدها بطريقة »مكية« وحسب، بل ثمة تقنية ماهرة تفصل بها مكي بين الرجل والمرأة في تجريد متفرد، بعيد كل البعد عن عرف الديك وتفاحة حواء، الشخوص في لوحات مكي يتقصون معها حقائق الأشياء، ويقاسمونها التطلعات والتأملات ويأس الانتظار أيضاً.
ويتداخلون مع الأمكنة والطبيعة ويتشكلون في اللوحة ويشكلون الأسئلة وتموجات التأويل، ومع كل هذا لا يمكن أن نعتبر شخوص مكي مركز الدائرة، ففي لوحات عدة تشتغل على الشخوص ذاتها، تجعل دواخلها المركز أو تفرغها تماماً من محتواها لتصير من ورق أو تندرج في تجريدها ليصير الصخر مركز التداعي والذات البشرية صخرة بين العشب أو جذع شجرة، والنسغ يصير زرقة نهر وضفافاً من قشور ولحاء، تتداخل المرأة الخصوبة مع الأرض، وتتفرع جذوع عطاء أو خيزران ستائر، وتتحول السماء إلى خيوط طباشير وجدران، وتصير المرأة غروباً برتقالياً في بحث مثير عن تبادل الأدوار والظلال والأحاسيس والتصورات.
إن هذا التجريد شديد التنوع، لا يدل على أن مكي متسرعة في إنجاز أعمالها، بل يؤكد على أنها، إضافة لامتلاكها الأحاسيس المرهفة، والقدرة على الالتقاط والخبرة الحياتية والتقنية، تمتلك قيمة خاصة بها، وهي فعل التقصي الذي لا يقدم أبداً أفكاراً جاهزة، لأنه يقوم في الأساس على إثارة الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها، ولا يتناسب أيضاً مع البحث الطويل الذي يحتاج إلى مراحل فنية متعاقبة وأعمال متعددة قد تبدو متشابهة أحياناً، بل يحتاج، أي فعل التقصي، إلى حرفية عالية وتصوف في التركيز.
المفردة البيئية
يستطيع المشاهد لأعمال نجاة مكي أن يدرك أنها تنتمي إلى بلدها، ولكن بميسم خاص بها، فالمفردة البيئية لا تربطها بالواقعية الفجة أو »الفوتوغرافية« إن صح التعبير، بل تتقصى حقيقة المفردة في تشكيلاتها الصورية، وتجلياتها في علاقة الإنسان بالمكان والزمان وتحولات هذه العلاقة في تجريدات وتخيلات بصرية، وتعبيرات ودلالات مقنعة، رغم غرابتها أحياناً، ففي تعاملها مع شخوصها، يتلمس المشاهد الزي الخليجي والزخارف والنقوش، إضافة إلى فعل تلك الشخوص وعلاقتهم بالبحر والصحراء والطبيعة ككل، وعلاقتهم مع ذواتهم والآخرين في تقصٍ ليومياتهم وتصوراتهم الدينية والفلسفية، ولكل لوحة حكايتها ولكل مشاهد تأويلاته.
أما في تعاملها مع المفردة في الطبيعة، فللفنانة مكي خصوصية قديمة جديدة، تتجلى في سبر بنية الأشياء، وليس شكلها فقط، نلحظ ذلك مثلاً في تعاملها مع قشور السمك، إذ لم تأخذ لونها أو شكلها العام، بل أخذت حركتها وتداخلاتها وتموجاتها بين الأزرق والأحمر والأسود الخارج من خضرته أو العائد إليها، وتموضع ذلك الحراك أو تشكيله لمرجع آخر أو إلى ما كانته الزخارف والنقوش والتصورات التي أدت إلى تشكيلاتها الحالية.. وهنا يتجلى التقصي في بعده الفلسفي التاريخي والتراثي أيضاً.
التقصّي اللوني
ما يحقق للوحة مكي تكاملها ومتانة بنيتها، هو أن التقصي لا يتوقف عند حقائق الأشياء التي تود الفنانة تناولها أو دواخل الشخوص أو علاقتهم بما حولهم أو.. بل أيضاً يطال التقصي كل مكونات اللوحة في تمظهرها وتموضعها والعلاقة الجدلية في حراكها لتحقق البنية المطلوبة.. واللون لا يخرج عن دائرة التقصي، فالفنانة نجاة تشتغل به وعليه في تحقيقه للتجريد والتعبير والتأويل من جهة، وتشتغل به وعليه في تقص يصب في الاستشراف من جهة ثانية، وذلك عبر تصورات عما ستكونه الأشياء لو كانت بألوان مغايرة؟! أو تلك الألوان ماذا تفعل في الأشياء لتكون هكذا؟ وهكذا في تعامل مكي مع الصحراء النقية والسماء الصافية بنجومها المتلألئة، أخذت التوازن الطبيعي لهما، لكنها جردتهما تماماً من اللون الحقيقي في تقص عما ستكونه اللوحة ــ الحياة، باللونين الأسود والأحمر مثلاً؟
ليس هذا فحسب، بل يصل التقصي إلى ماذا سيكون عليه اللونان لو كانا هكذا؟ وتظهر هذه التجربة بوضوح في تعامل مكي مع الأخضر والأبيض، فرغم انهما يظلان في تدرجين ثابتين لا يتغيران، تستطيع مكي ببراعتها ان توزعهما على سطح اللوحة ليشكلان حراكاً بصرياً يفتح آفاق التأويل ومناجم التصورات والأحلام أيضاً.. أحلام اليقظة.
ويكمن التقصي اللوني ايضا في تعامل الفنانة مع موادها المشكلة لجسد اللوحة، ففي اللوحات »الكولاج« يظهر الجانب الآخر من شخصية مكي الفنية، وهو مكي النحاتة، ومع تنوع المواد المستخدمة في تشكيل تلك اللوحات، فان دقة استخدام اللون وتقصي حقيقته الكائنة والتي يجب أن تكون، جعلته في بنية اللوحة الأساسية وأدخلته في علاقات جديدة مع سطوح غير سطح اللوحة التي اعتاد عليها.. ومع هذا لعب اللون دوراً مهماً في تقريب ملمس السطوح وانسجام الكتل..
ولم يتوقف »الريليف« عند مكي على الكولاج، بل ثمة لعبة لونية بين الظل والضوء، جعلت للكتل بعداً ثالثاً فتداخلت السطوح النافرة ــ أو التي تبدو نافرة ــ مع السطوح الأصل في حراك لم يتسارع فقط مع الحراك المدفوع بفكرة ما، او الباحث عن حقيقة ما، بل في تداعٍ لوني متجدد ظهر بوضوح في تعاملها مع الأزرق تارة والأخضر تارة أخرى.. وفي انتقالها اللوني من الكتل الصماء رويداً رويداً ليتراجع اللون ــ تعبيرياً ــ أمام التشخيص ويتقصى من جديد حقيقة تشكلها وطبيعة ما حدث.. وتدور الشخوص والألوان و يدور المشاهد من جديد.
محمود أبو حامد