تعد رواية »لو لم يكن اسمها فاطمة« لخيري الذهبي الصادرة مؤخراً عن روايات الهلال في القاهرة، الحدث الأدبي الأبرز في الساحة السورية، فهي رواية ذات مذاق لا يحاكى. فلقد وضع فيها الذهبي حكاية نثرية، قلبت التاريخ على قفاه.
وخرجتنا إيّاه كم هو طيب ووديع، وكيف يمكن أن تصنع فيه العجائب والغرائب دون أن يفتح فاه. وأي تاريخ؟.. التاريخ الذي تتحول فيه فاطمة من ربة منزل تطبخ وتكنس وتغسل.
ولا تعرف ما إذا كانت لندن هي مدينة أميركية أو فرنسية أو هي عاصمة بريطانيا، إلى بطلة وطنية تصفها الصحافة العربية في بيروت وحلب ودمشق والإسكندرية، والصحافة الفرنسية بأنها (جان دارك) سوريا، بل إن صحافة باريس صارت تتساءل: ما الذي يحدث في دمشق؟
فاطمة هذه ـــ التي اسمها يعني الذي يعني ـــ وليس زينب أو ماريا أو سارة، تخرج لتشتري لوازم طبخة مربى الباذنجان زمن الاحتلال الفرنسي لسورية في الأربعينات، فتصادفها دورية فرنسية قوامها عساكر سنغاليون تستثيرهم مشيتها الغزلانية فيصيحون: فاتيما.. فاتيما.
لأنهم لا يحفظون من الأسماء »الإسلامية« إلا هذا الاسم، فتغضب وتتمنى لو أنها تحمل في يدها (متراليوزاً) لقتلهم برشة واحدة. إلا أنها تقرر العصيان والاعتصام في بيتها وأنها لن تخرج من بابه حتى يخرج الفرنسيون من سوريا.
ماذا يفعل سلمان المخرج السينمائي الذي كلفته محطة تلفزيونية فرنسية بإخراج فيلم عن المدن الميتة، وهو يقرأ هذا السيناريو الذي اقترح له »الموسيو غسان« عنواناً باسم (لو لم يكن اسمها فاطمة) الذي يكتشف سلمان فيه أن سيرة شخصية لامرأة هي (أمه). أمه التي صارت رسامة.
ومن ثم أسقطت طائرة عسكرية ألمانية في الحرب العالمية الثانية، وخليلة »للحاكم الفرنسي فيليب أوغستان«، وبعدها عندما جلا الفرنسيون عن سوريا تصير محظية »معاوية« المسؤول الوطني الذي جلس على كرسي الحاكم الفرنسي؛
فيمنحها شهادة الدراسة الثانوية، ويقيم لها معرضاً، ويعيّنها مشرفة فنية في وزارة الثقافة، ويرسلها في بعثة اطلاعية إلى أوروبا.. ثم.. ثم تتوب. فتكتشف لذة الطاعة مثلما عاشت لذة المعصية.
خيري الذهبي ـــ ليس بحبكة بوليسية ـــ ولكن بسخرية وتهكم أسودين يكتب روايته هذه، مخالفاً السنة الروائية التي كتب هو عليها من قبل ثلاثيته، وكتب عليها العديد من الروائيين السوريين مثل: حنا مينه وهاني الراهب وفارس زرزور ووليد إخلاصي.. وآخرين.
فسلمان ولو ـــ لم يكن اسم أمه فاطمة ـــ لما تغيرت حياتها كل هذا التغيير، ولما حظي باهتمام القناة الفرنسية، وباهتمام مسؤول »الفرانكوفونية« الموسيو غسان، وباهتمام أمين الشعبة الحزبية، ومدير الناحية وبقية المسؤولين في المدينة التي أعمدتها وبقية آثارها مدمرة والتي اسمها (تدمر).
الموسيو غسان يصفع سلمان بتاريخ أمه التي كان يعتقد أنها قديسة، فيما كشفت أوراق غسان في السيناريو المقترح للفيلم الذي سيخرجه سلمان أنها عاهرة، وأنها لعبت دوراً صار يشكل عاراً، يشكل ثقلاً كابوسياً عليه. ثم إذا كانت سيرة أمه مخزية إلى هذا الشكل ـــ يقترح خيري الذهبي بأن يتعامل معها ـــ مع الأحداث التي شكلت سيرتها.
وسيرة والده »ركني« المستخدم، عميل الفرنسيين، سارق الآثار والصوف والسمون. والتي هي سيرة التاريخ الحديث لسوريا بصفتها أحداثاً ليس لها علاقة بسيرة أمه فاطمة، بل بصفتها سيناريو، بصفتها نصاً أدبياً من وضع الموسيو غسان نفسه. فلماذا يشعر بالخزي والعار؟.
وها هو خيري الذهبي يطّعم له السيناريو بأسئلة هي تداعيات فيها مباشرة سياسية حين تساءل: كيف تتقبل الشعوب الدكتاتور محطم القوانين، وجاعل كلمته القانون؟ هل هي شعوب ما قبل القانون، الشعوب المؤمنة بالمعجزة، بالدكتاتور الذي يصنع المعجزة فيحطم القانون؟!.
سيرة الدكتاتور أم سيرة الحاكم العسكري الفرنسي؟ سيرة فاطمة أم سيرة أبو الشيماء الذي كان نموذجاً لزوربا عربي حوّله خيري الذهبي إلى (مسخ) صار يسلّي أمين الشعبة الحزبية ومدير الناحية والرجل الغاضب؛
ذلك بعد أن أكلوا وشربوا اللحوم والخمور، إلى مجرد ببغاء يردد هتافات يسقّط فيها أميركا بناء على طلب الرجل الغامض، ثم يختفي أبو الشيماء بعد أن شعر أنه تحوّل من عملاق إلى قزم على أيدي مثل هؤلاء الحكام.
خيري الذهبي يكسر في روايته هذه سياق السرد الذي يهتم بالبطل التاريخي، والحدث التاريخي، والموقف التاريخي، والخطاب ـــ الكلام ـــ التاريخي الذي فيه معجزات بيانية وتاريخية.
وكتب ما هو مخالف للمألوف والمتوقع. لم يقسر شخصياته على فعل شيء هي غير راضية عن فعله، كي نرى التاريخ بريئاً، وكي نقرأ رواية الحكاية فيها تسلمنا لحكاية، فنشعر بلذة ولو انها مؤلمة، إنما هي مبعثها أحداث إنسانية مئة في المئة.