كان الشتاء في خمسينات وستينات القرن الماضي شتاءً حقيقياً، ما أن يحط الرحال بيننا حاملاً أمطاره وثلوجه وعواصفه الهوج وبرده القارس وجليده الذي يستمر أياماً وأسابيع، حتى تتشبع الكائنات والبيوت والطبيعة والأشياء بالرطوبة المطرزة بقتامة كئيبة، تسكن الليل والنهار في وقت واحد، وتبقى هذه الحالة مستمرة ومتواصلة، طوال أجندة الشتاء المسطرة في دفتر الفصول.
كانت الرطوبة الشتوية تتغلغل في ثيابنا والأشياء المحيطة بنا، لتصل إلى أرواحنا وعظامنا، وتستمر طيلة الشتاء، لعدم قدرة ثيابنا ووسائل التدفئة البسيطة التي كانت سائدة آنذاك، على طردها أو الحد منها، والتدفئة هذه، كانت تقوم على عنصر أساس هو (الحطب) الجردي المشبع بالرطوبة هو الآخر، لأنه كان يجلب مباشرةً من الحرش في الجبال والتلال المحيطة بالمدينة إلى المواقد الطينية الثابتة في أرض الغرف على شكل دائرة في وسطها، أو على شكل مواقد و(كوانين) طينية أيضاً، متحركة يمكن نقلها من مكان إلى آخر في البيت.
أذكر أن الشمس الشتوية الحادة وحدها كانت القادرة على منحنا شيئاً من الشعور بالدفء، إذا ما تمكنت من كشح الغيوم السوداء المدلهمة وأطلت على هذا الكون الرطب المقرور.
أذكر جيداً، موجودات وأشياء البيت البسيطة كافةً، كانت تخرج لتعانق دفء الشمس القادم من نوافذ الغيوم، علها تتخلص قليلاً من سطوة الرطوبة الساكنة فيها. أما المنازل الريفية المقرورة المشادة من الحجارة الطبيعية والطين الممزوج بالقش (التبن) والتي كانت تتحول جدرانها واسطحتها بفعل الرطوبة إلى حدائق رافلة بالعشب والأزاهير البرية والنباتات ومنها (البابونج، ولباس القطة، وشقائق النعمان).
هذه الصور المحفورة في القلب والذاكرة، تواكبها صور وتفاصيل وحكايا عن الثلج..ملح الأرض..وجنرال الطبيعة الحازم..والأبيض الجميل..والعاشق النرجسي النزعة..فهو إذا ما هطل، يسيطر على كل شيء في الطبيعة، بما في ذلك قلوب الناس وأرواحهم، مانحاً السعادة لعيونهم وعقولهم وأطفالهم، والبشارة والأمل، بقدوم صيف مثقل بالمواسم الطيبة.
كانت كلما أثلجت أفرجت، على حد تعبير آبائنا وأمهانتا، إذ غالباً ما تشرق الشمس عقب كل (ثلجة) وينتشر الدفء وتخفف من ثقلها على الروح، جهامة السماء ورطوبة الأشياء. وأذكر أن ثمة طيوراً خاصة، كانت ترافق موجات الثلج هذه مثل (الزرازير) و(أبو سعد أو اللقلق) أو(الطرطبيس) وغيرها.
ملح الأرض الساحر الوسيم الخيّر هذا، أصبح هذه الأيام، نادر الزيارة لنا، لذلك أصبحت له طلة الضيف العزيز المنتظر بلهفة وشوق ومحبة.