على الرغم من أن التجريد كظاهرة ميزت الفن في القرن العشرين باعتباره لغة ومفهوما يتفق مع منطلقات الفن البصرية والتشكيلية، إلا أنه لم يحظ بأي رضا شعبي أو جماهيري يتيح له اكتساب رصيد من القبول لدى الناس، كذلك الذي تحقق للسيريالية كاتجاه عالمي انتشر وذاع إعلاميا.

وإن خبت السريالية الآن تماما ومع ذلك دشنت قاعة «إبداع» بالمهندسين الموسم الفني لها بعد التجديد الإداري والشكلي، بمعرض تحت عنوان التجريد المصري المعاصر، وضم إبداعات (40) فنانا، حيث مثلت في المعرض أغلب الأجيال في الحياة الفنية، فقد شاركت في المعرض واحدة من رائدات هذا الاتجاه في مصر وهي خديجة رياض (1914) في الوقت الذي شاركت فيه الفنانة الشابة مروى الشاذلي (1983) وهي واحدة من فتيات أحدث جيل اقتحم الحياة الفنية.

وإذا كان التجريد في مفهومه العام تجاوز للصوري والتمثيل الصوري، ورفضا للتقيد بالمنظور الهندسي، أو النقل الحرفي من الطبيعة فقد برز كظاهرة نتيجة تطور بطئ عبر التاريخ لا لتبدل مفاجئ، حيث جاء الرفض بدافع تحرر الفن إزاء ضرورة تمثيل الأشياء كما هي أو نقلها بحيث يمكن للمشاهد التعرف إليها. وكانعكاس لتراجع النموذج المثالي، ومحاكاة الطبيعة في العمل الفني.

وتبدل الرؤية الفنية، بل حلت الفكرة محل الصورة في مجال التعبير الفني وتغيرت الوسائل، وأصبح الفنان يستنهض الفكرة والشعور والحس أو ما يسميه «فاسيلي كاندانسكي (1866-1944) الضرورة الداخلية، في محاولة «لجعل اللامرئي مرئيا» بحسب تعبير بول كلي.

الواقع أنه في ظل عدم وجود مؤشرات لرواج التجريد كاتجاه فني يعد إقامة معرض للتجريد في قاعة خاصة تحكمها متطلبات السوق من عرض وطلب، وفي وقت تبحث فيه عن نصيبها من سوق الأعمال الفنية.. يعد مغامرة بكل المقاييس، ومع ذلك ضم المعرض أسماء ورموزا من الحركة المصرية المعاصرة فنرى سيف وانلي (19061979) ذلك السكندري الذي منح التجريد صفاء البحر، ومحمد طه حسين التي تراكمت طبقات التاريخ في لوحاته.

وأحمد نوار 1945 بتجريده الهندسي الصارم، الذي يتقصى بناء لوحة بناء عقلانيا ويلتقي في ذلك مع بيت موندريان في اختزاله البنى التأليفية لدى التكعيبية وعمد إلى تقسيم اللوحة إلى مساحات صغيرة مستطيلة أو مربعة بهدف اكتشاف الشكل المصور في أكبر تبسيط وأكبر وحده له.

أما فاروق حسني (1938) فاتجه بلوحاته إلى التجريد العاطفي الذي يكشف عن جماليات اللون والشكل، والتي يمكن أن نسمع منها صوت الألوان المضاءة وسلطة الموسيقى. فيما يتقارب آدم حنين في تجريده مع الفن المصري القديم سواء من حيث الخطوط الانسيابية البسيطة المختزلة للشكل أو من خلال التقنيات واستخدامه ألوان الفراعنة الطبيعية الترابية وفي الوقت الذي تتدفق فيه ألوان وجيه وهبة النارية الساخنة لتحدث صراعا في فضاء اللوحة.

وكانعكاس لصخب مدينته القاهرة يدعوك عبد الوهاب عبد المحسن إلى الصفاء اللوني الذي يسيطر على مسطحاته الكبيرة، التي غلب عليها اللون الأخضر الزرعي، والسماء المطرزة بالنجوم الفضية، للدرجة التي تشم منها رائحة الأرض الزراعية في شمال الوادي ودلتا مصر وكفر الشيخ مسقط رأسه. في النحت يشترك ناجي فريد مع آدم حنين في استلهام الحضارة المصرية القديمة، لكن تماثيل ناجي فريد من دون رؤوس، وكأنه استدعاهم من التاريخ بغير أدمغة.

فيما جاءت أشكال الفنان الشاب إيهاب اللبان النحتية غاية في البساطة وكأنها لحن ميلودي عميق واتجه عماد أبو زيد إلى التجريد الشعبي وفدوى رمضان إلى التجريد الغنائي وهويدا السباعي إلى تجريد سيريالي فيما كشفت لوحات عادل السيوي عن نزعة تعبيرية جارفة تذكرنا بما ذهب إليه أدونارد مونشي في لوحته الصرخة.

القاهرة ـ سيد هويدي: