على قاعته في ساحة الأندلس، أقام الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ندوته الاسبوعية تحت عنوان (الترجمة ثقافة أم خيانة)، بحضور عدد كبير من الأدباء والمثقفين، حيث قدم للندوة الناقد علي حسين الفواز بكلمة أوضح فيها ما للترجمة من دور بارز في التفاعل والاحتكاك ما بين حضارات الشرق والغرب منذ القدم.

أتاحت لنا الاغتراف من مناهل الآداب والعلوم والفنون الإنسانية، والتعرف على ما يجري على هذا الكوكب، مؤكداً أنها فن وإبداع، وإعادة كتابة، مشيرا الى التجربة الثرية للدكتور عبد الواحد محمد في حقل الترجمة، برفده للمكتبة بعشرين كتابا مترجما في مختلف الفنون الأدبية والدراسات النقدية، فضلا عن مؤلفاته وبحوثه ودراساته في شؤون الفكر والفن والترجمة.

ثم بدأ الدكتور عبد الواحد محمد بإلقاء محاضرته تحت عنوان (الترجمة إعادة كتابة)، افتتحها بالقول ان الترجمة جهد وإبداع، ومعاناة، وليست «خيانة» كما يقال، ففي العادة يفترض الناس شيئين عندما يتحدثون عن الترجمة، وما يقابلها من كتابة أصلية، موضحاً أن الشيء الأول هو أن المترجم يخضع لقيود لا تنطبق على المؤلف الأصلي، أما الشيء الثاني فهو ان فعل الترجمة بطبيعته اقل إبداعاً من الترجمة.

وأضاف أن الإبداع بحد ذاته مسألة معقدة، وفي الواقع لا يوجد تفسير واضح له، وفي غياب المعايير المناسبة لقياس الإبداع، فان الزعم بالاختلافات بين الكتابة الأصلية والترجمة، يقوم غالبا على أساس ان الترجمة فعل اشتقاقي، بينما الكتابة الأصلية ليست كذلك، غير ان هذا الزعم مخاتل لانه يفترض تفوق الأصل كأنه في موقع موثوق، لا ريب فيه.

مشيرا الى أن الدراسات الحديثة اظهرت ان النقد الأدبي والترجمة تحديدا فكرة موثوقية الأصل، فالترجمة ليست وحدها التي تمثل فعلا بإعادة الكتابة، إذ إن جميع النصوص تستعير وتهضم وتحكي وتعيد كتابة المادة الأخرى، وعليه فان الكتابة الأصلية هي إعادة كتابة.. مؤكدا ان الكتابة برمتها تعد ترجمة.. ويرى بارنستون (1993) ان جميع النشاط الذهني المبني على بحث عن المعنى يمثل نشاطا ترجميا.

لذلك من الممكن النظر الى الرسم والنحت والكتابة بوصفها ترجمة فكرة ذهنية الى صورة بشرية مجسدة، او بوصفها عملية تكوين صور ذهنية ناشئة عن ترجمة من حالة الاحساس بالواقع الخارجي الى حالة المعرفة المفاهيمية. وبذات السياق عد المحاضر ان الرسم والأدب والفنون الأخرى، قد مروا بتحولات عديدة قبل بلوغهما المتلقي، اما عن فكرة أمانة الترجمة للأصل، فقد أشار، بأنه لأمر شائك أن تطبق فكرة أمانة الترجمة، وان مسحا لأعمال كثير من الكتاب والمترجمين يلقي ظلالا من الشك على فكرة وجود اختلاف واضح بين الأصل والترجمة سواء في مجالي العملية أو النتاج.

كما أن الفحص يؤول في النهاية إلى أن مصطلحات الأمانة، والإبداع، والترجمة، ليست واضحة المعالم.. ثم خلص إلى القول في ختام محاضرته بان الكتاب لا يكتبون ما يريدون.. إنهم مقيدون بجميع أنواع القيود السياسية والاجتماعية واللغوية والمعجمية، وكذلك القيود النصية، إذ إن الإبداع في الواقع مرتبط ارتباطا متينا بالقيد الذي يمكن وصفه كأحد المصادر الرئيسة للإبداع.

وقبل نهاية المحاضرة طرحت العديد من الأسئلة والمداخلات بشأن ملابسات الترجمة وصعوباتها، مما اثرى أجواء الجلسة.

بغداد ـ «البيان»: