هل تمثل تجربة مسرح مترو الأنفاق، المعروف برؤيته الإبداعية المؤسسة على الاختلاف، اختلافاً مع الثقافة الملتزمة؟ تجسد تجربة مسرح مترو الأنفاق المعروفة جيداً في دول أوروبا وأميركا ومصر توجهاً نحو استقطاب المتفرج بجعله عنصراً فاعلاً في بنية الأداء المسرحي من جهة وفي التعبير عن طموح الأجيال الجديدة من المسرحيين إلى التغيير من جهة أخرى.

وبغض النظر عن حداثتها فإن تجربة مسرح مترو الأنفاق التي بدأت بنظرية، المخرج المسرحي البرازيلي أوجستو بوال، عن مسرح «المقهورين » أصبحت أكثر تدخلاً في واقع مجتمعاتها السياسي والاقتصادي قبل الإبداعي وهو ما يحدث على نحو جدلي، لا سيما ما يتعلق بهوية ما تقدمه من عروض . وبالمناسبة، قد يتساءل أحدنا.. إلى أين تمضي هذه التجربة في بلد مثل بريطانيا ؟

يصف بعض مسارح بريطانيا، وهو مسرح مترو الأنفاق اللندني على وجه التحديد، ما يقدمه من أعمال بأنه إبداع متجذر في الثقافة ؟ ومؤخراً، قدم مسرح «دريم ثنك سبيك» سيناريو مبتكرا، للكاتب المسرحي الآيرلندي الشاب «أوين مكفيرتي» مأخوذ عن رواية ديستوفسكي «الجريمة والعقاب» اختار مخرجه مجموعة من الأماكن العتيقة «العفنة» الواقعة تحت الأرض كانت تشكل أجزاء من مسلخ قديم لكي تصبح عالماً حافلاً بالشخصيات والتداعيات والمفاجآت الرامزة إلى التعاطي مع فكرتها الرئيسية حول موضوعات، العنف، القتل، القمع، العزل وغياب العقل .

حسب تعليق الناقدة سوزانا كلاب يبدو اختيار المكان ملائماً جداً لإنجاح العمل الذي تحتوي حبكته على مشاهد درامية مثيرة يتحول على إثرها مسرح تحت الأرض إلى مسرح لجريمة يراها المتفرج مجسدة أمامه، في حين يشكل الظلام والرعب الذي يبدأ بسقوط آلة حادة كالفأس نوعاً من التوغل في نفسية كل من المتفرجين وبطل المسرحية، المجرم.

الافتتاحية لا تشكل وحدها مقدمة لمشهد العنف الذي نتعرف عليه من سيناريو الجريمة والعقاب، حيث ما يكتشفه المتابع بعد ذلك هو جمهور المتفرجين المحتجز تحت الأرض الذي يشاهد أحداثاً مأساوية عبر القضبان الحديدية. هذه الدعامات الكابحة يشاهد من خلالها المرء شيئين، أولهما سحابة من المارة تسير متغطرسة فوق الرؤوس الكثيرة المحتشدة لكي تطأها بالأقدام، أما الآخر فهو طابور من الأشخاص المكتسين بالمعاطف واللفافات الثقيلة، يتحرك على نحو ما تفعله الدمى الأوتوماتيكية للوصول إلى ما يشبه الحفرة العميقة.

إذا كان المشهد السابق معبراً فإن هذا التعبير سيكمن في لغته الحركية القادرة على إجبار جمهور من المتفرجين على الاقتراب من محركه الرئيسي، الشخصية الرئيسية، بالتعرف إلى، راسكولينكوف، في بداية مشهد لا إنساني يبدو فيه كمن يخطط للجريمة بمساعدة مخرج المسرحية .

حيث يشاهد وهو يهيم في المكان مقترباً من بيت العجوز المرابية عبر المساحات المعتمة بينما يتنبه الجمهور إلى أداة الجريمة المخبأة في معطفه الضخم في الوقت الذي يترنح فيه المفتش، الذي يجوس المكان مطلقاً حاسة الشم باتجاه الدعامات الحديدية لكي يتعثر في أحد الممرات الجانبية متأثراً بسكره الشديد، ومن رائحة البخور المتصاعدة يكتشف المتفرج دخوله إحدى الكنائس.

على الرغم من كونه في الأساس مشهداً روائياً روسياً (قيصرياً) تقليدياً يصادفه قارئ الجريمة والعقاب مسترسلاً نحو التطور من قبل ديستوفسكي إلا أن ما يقال عن أنه مشهد واحد لا يبدو ضرورياً بالنسبة لمسرح مترو الأنفاق الذي يقوم على تجزئة المشهد الواحد، حيث تتعاقب هذه المرة المفاجآت والتلميح إلى العديد من القصص والتداعيات.

في مكان آخر، أو في حجرة ضيقة، يلمح المشاهد كتاباً صغيراً ملقى إلى جانب زجاجة عطر باريسي وردية باهتة وفجوة صغيرة تصلح وكراً للشرب في وجود طاولة مليئة بما يلزم للقيام بذلك وموسيقي يستلقي مسترخياً في الزاوية. وفي المشهد الذي يليه تظهر غرفة مكركبة لامرأة تداهمها نوبات من السعال، أثناء رقصها الفالس، في قبضتها فستان حفلات حريري، وبالقرب منها صندوق لصور باللونين الأبيض والأسود تومض تعبيراً عما يحدث في الذاكرة.

يلاحظ المتفرج أن هذه الشخصيات تظهر وتختفي بشكل سريع لا يمكن المتفرج من معرفة ما إذا كان ما يدور أمامه قد حدث للتو أم أنه في طريقه للحدوث هكذا يبدو أثر الديكور المسرحي . وفي اللحظة المناسبة يفسح المجال للوصول إلى مشهد روسي منمنم، محطة قطار مهجورة وسكة حديد ممتدة نحو الأفق عبر ضفاف مغطاة بالثلوج. بينما يجري التلاعب بالوقت حيث لا تستغرق مشاهدة أحداث يوم بأكمله أكثر من دقيقة.

ما يلفت الانتباه إلى هذه التجربة هو جنوحها نحو الارتباط بالواقع من خلال الأسئلة التي تطرحها على خلفية ما يحدث في رواية ديستوفسكي... ما الذي يبرر شيئاً كالعنف، وغياب العقل؟ ورغم أنها لا تجيب على هذا السؤال إلا أنها تترك للمتفرج فرصة الإدلاء بحلول وإن كانت مرتجلة.

بانفتاحه على مشكلات العصر وعلى أشكال الثقافة الأكثر تعبيراً عن هذه المشكلات، التي يأتي في مقدمتها، الإبداع الأدبي الإنساني، يتحول مسرح مترو الأنفاق نحو التعبير الأمثل عن الواقع، الشرط الذي يمليه المتفرج المعاصر الذي لا يريد أن يتعرف إلى شيء أكثر مما يجري في حياته.

مريم جمعة فرج