ترتبط حالة الضعف والتراجع التي يعاني منها المسرح العربي في الثقافة العربية، بواقع هذه الثقافة المؤسي من جهة، ومن جهة أخرى بتراجع الاهتمام الرسمي والخاص بواقع المسرح وضرورة النهوض به.

إضافة إلى محدودية التأليف والإبداع في الكتابة المسرحية مع ما تعانيه النصوص المكتوبة حتى في نماذجها الجيدة من إشكالية أخرى، تتمثل في أن أغلب هذه النصوص كتبت لتقرأ لا لأن تؤدى على خشبة المسرح.

كما هو الحال على سبيل المثال في نصوص الكاتب المسرحي سعد الله ونوس نتيجة هيمنة الجانب الذهني على بنية النص المسرحي، الأمر الذي يزيد من حجم المشكلة التي يواجهها المسرح العربي، ويفاقم من تأثيراتها على واقع الحركة المسرحية في الوطن العربي.

شهد المسرح العربي في عقد الستينات من القرن الماضي اهتماماً خاصاً من قبل المؤسسات الثقافية الرسمية العربية، وقد انعكس ذلك إيجابياً بصورة كبيرة على نمو الحركة المسرحية وتطورها تأليفاً وتمثيلاً.

واتخذ ذلك أشكالاً متعددة سواء على صعيد تعدد مهرجانات المسرح العربي، أو المهرجانات المحلية، أو على صعيد حركة التأليف المسرحي الذي استدعته قدرة المسرح على التعبير عن القضايا السياسية والاجتماعية التي يسعى الكاتب لطرحها.

ولاشك أن جانباً كبيراً من هذ الاهتمام الرسمي بالمسرح كان مرتبطاً بتوظيفاته لخدمة طروحات وأفكار ايديولوجية محددة، إذ كان المسرح كغيره من الفنون والأجناس الأدبية الأخرى خاضعاً للإشراف الرسمي واشتراطاته. وبعد هزيمة يونيو 1967 تصاعدت موجة الاحتجاجات والإدانة في المسرح العربي للواقع السياسي والاجتماعي العربي المتردي والمهزوم.

وكرد على هذا الواقع ظهرت في حقبة السبعينات بصورة خاصة التجمعات والمختبرات المسرحية التي عملت على تعزيز ظاهرة التجريب في المسرح العربي بحثاً عن صيغ وأدوات جديدة، تفتح أمام المسرح فضاءات جديدة.

وكان لافتاً في هذه الحركة المسرحية عودتها إلى التاريخ العربي تارة لإعادة قراءته، واستخدامه قناعاً واسقاطاً كوسيلة للتحايل على الرقابة الرسمية لتمرير المقولات ونقد الواقع السياسي، في حين عمد الكثير من هذه التجارب إلى استخدام أشكال الفرجة في التراث الشعبي وتوظيفها في المسرح بغية تقديم مسرح قادر على الوصول إلى الناس والتأثير فيهم تارة أخرى.

لقد ظل هاجس البحث والتأصيل في المسرح العربي قائماً حتى الآن ومن سوء حظ المسرح أو هذه التجارب المشغولة بالبحث أن الاهتمام الرسمي أخذ بالتراجع، فبدأ عدد المهرجانات المسرحية العربية بالتراجع بسبب الضعف والمشكلات التي يعاني منها الواقع العربي، كما تقدمت فنون وأجناس أخرى لأسباب كثيرة ساهمت في تقليص مساحة حضور المسرح الفاعل في المشهد الثقافي العربي.

وإذا ما ظهرت بعض المهرجانات المسرحية المحدودة فإنها ظلت في إطار الأهداف الترويجية الخاصة بالطابع المناسباتي لتلك الظاهرة، ومن الواضح أن مدلولات ذلك تتجلى في محدودية تأثيرات هذه المهرجانات في الحياة الثقافية، عموماً، وفي واقع المسرح عموماً، في الوقت الذي أخذت تتفاقم فيه إشكالية غياب النص المسرحي العربي.

وتوقفها في الغالب على محاولات كان المخرج فيها هو من يقوم بكتابة النص، ومثل هذه التجارب المحدودة لا يمكنها أن تنهض بواقع المسرح المتروك للمبادرات الفردية من قبل مسرحيين شغوفين بالمسرح.

إن ارتباط التنامي في حركة المسرح سابقاً بالمؤسسات الثقافي الرسمية أدى إلى ظهور تأثير تراجع الاهتمام من قبل هذه المؤسسات على حركة تطور المسرح الذي رغم حضوره اللافت في المشهد الثقافي العربي لم يستطع أن يؤسس لعلاقة جمالية مع الجمهور تجعله يهتم بالمسرح.

ويعتبر الحضور إلى صالات المسرح جزءاً من حياته اليومية سيما وأن الجمهور العربي بفعل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية يظل مستلباً وضائعاً يبحث عن متطلبات حياته الأساسية بشق الأنفس.

ومما يلفت في تراجع اهتمام المؤسسات الثقافية الرسمية أنها جاءت مترابطة مع ضعف الاهتمام بالشأن الثقافي العربي، وبالدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة حتى على المستوى التبشيري، مقابل ذلك ظل رأس المال الخاص بعيداً عن المساهمة في تنشيط الحياة المسرحية.

إن لم نقل إنه لم يكن معنياً بهذا الشأن، إذ إن بحثه عن الربح يجعله لا يغامر بالدخول في تجربة كهذه، ويمكن القول إن تجربة المسرح الخاص في سوريا هي خير مثال على ذلك، فباستثناء الأعمال المسرحية التي قدّمها الفنان دريد لحام مع الشاعر محمد الماغوط لم يستطع هذا المسرح أن يحقق حضوره.

وقد جرت محاولات جادة أشرف عليها الفنان جهاد سعد والفنان عابد فهد لتقديم أعمال مسرحية جديدة تعتمد لغة مسرحية ذات طابع ساخر وناقد لظواهر الحياة السياسية والاجتماعية العربية، إلا أن تلك المحاولات ظلت عند حدود عملها الأول الذي لم يلق النجاح المطلوب مما أدى إلى وأد تلك المحاولات.

لاشك أن الدراما التلفزيونية استقطبت نجوم المسرح وكوادره، كما استقطبت المشاهد العربي ورأس المال الخاص، لكن ذلك كله لم يحل دون أن تستطيع الأعمال المسرحية الناجحة القليلة جداً أن تستقطب جمهوراً واسعاً وكبيراً.

كما حدث في مسرحية كسور التي قدمها المسرح القومي في سوريا التي ظل الازدحام قائماً على أبواب المسرح رغم استمرار عرضها لثلاثة أسابيع متتالية، وكان غريباً آنذاك أن تقوم مديرية المسرح القومي بوقف عرضها لتقديم عروض الموسم المسرحي الأخرى.

الآن وجود عمل ناجح يمكن أن يسهم في تعزيز ثقة المتابع للمسرح بأهمية هذا المسرح وبوجود مسرحيين مازالوا قادرين على تقديم أعمال متميزة في وقت تبدو فيه المغريات المادية للعمل الدرامي التلفزيوني قادرة على الاستحواذ على طاقات وإمكانات الفنانين سيما مع التدني الكبير في أجور العاملين في المسرح القومي في السنوات الأخيرة.

مفيد نجم