أحيت الشاعرة الإماراتية الهنوف محمد، والشاعر العراقي يونس عبود، أمسية شعرية أول من أمس في النادي الثقافي العربي بالشارقة، قدم لهما الشاعر حسين قباحي، مسلطاً الضوء على تجربة الشاعرين وسيرتهما الذاتية ومؤلفاتهما وأجوائهما الشعرية.
من أجواء الشاعر عبود نختار هذا المقطع من قصيدة «نساء الشاعر»..
رسم الشاعر قطرة ماء في صحراء الورقة
ووجوه صبايا وبقايا امرأة محترقة
داهمة الخوف على الناس فمزقها مزقاً مزقاً..
الشاعرة الإماراتية الهنوف محمد قدمت مجموعة من قصائدها «النثرية» اختارتها من إصداراتها، حاكت فيها تجاربها في البحث عن الأمومة والافتقاد لهذا الإحساس والتحسر على تلك الأمنيات والدعوات .. ومن ثم جابت عوالم الطفولة وتداعيات الذات في علاقاتها مع الآخر في الحياة والأحلام. من أجواء قصائدها نختار..
عصامية أنا
ولدت وأولد كل يوم
في الأزهار والأنوار والصحارى
أقود قافلة من شعراء..
كتاب غاب مؤلفه
جرت العادة في النادي الثقافي العربي أن تتضمن النشاطات الثقافية استضافة لكتاب ومؤلفه، لكن غياب أحمد محمد عبيد عن هذه الجلسة ـ مع أنه اعتذر الجلسة السابقة ـ لم يَحُل دون مناقشة كتابه «شعراء جاهليون وإسلاميون» وإن ترك ثغرة كبيرة، خاصة في الحوارات.
بعد الأمسية الشعرية قدم الدكتور عبدالله سالم محمد سكرتير تحرير مجلة «الرافد» عرضاً مطولاً للكتاب، بيّن فيه أهمية الشعر الجاهلي في حياة العرب الثقافية والدينية والاجتماعية، خاصة أن هناك بعض الدراسات تصف المجتمع العربي بأنه من المجتمعات المنغلقة صعبة التطور.
وبالتالي حافظ بشكل كبير على استمرار جوانب كانت موجودة فيه في الفترة الجاهلية، فالكتاب من خلال الأشعار المجموعة فيه، يسلط الضوء على جوانب منيرة لم يتم إعطاؤها حقها من قبل على الصعيد الاجتماعي.
ومن الناحية الدينية تأتي أهمية الكتاب من أهمية الشعر لدراسة المعتقد وفهمه وتفسيره، متمثلة في القرآن والسنة، فهناك الكثير من الشعراء التوحيديين، والكثير من الأشعار التي تحاكي الأديان الأخرى وتمثل شواهد حية أيضاً على الجدل الدائر بين المعتقدات، وخاصة أن بعض الشعراء عايشوا المرحلتين، الجاهلية، وصدر الإسلام.
النواحي الثقافية التي يحملها الشعر مبثوثة في الكتاب من حيث الأغراض الشعرية وموضوعاتها والبناء الشعري وغيرها من الجوانب كالأوزان والعروض والقوافي، إضافة لما يوجد في الشعر من حكمة وظواهر ثقافية كانت سائدة ومنها استمر ومنها مازال.
وأضاف الدكتور عبدالله أن العمل الذي قام به أحمد محمد عبيد، هو طريف لأنه يهتم بمجموعة من الشعراء غير المشهورين، المقلين النادرين، كأمية الكناني وبلعاء الكناني، الربيع بن أبي الحقيق اليهودي، والربيع الغزاري، وعامر العدواني، وعمرو الخزرجي، ومعقر البارقي ..
وأهمية إحياء تراثهم ضمن التصور الذي أخذناه على الشعر الجاهلي، تصور يقوم على نصوص مشهورة، هذا التصور قد تكذبه النصوص الأخرى، وبالتالي الدراسة الانتقائية التي قامت في الثقافة العربية ـ وهذا أحد عيوبها ـ كانت دراسة تقوم على الأشهر، والتاريخ السائد تاريخ الحكام والأنظمة.
. فأهمية الكتاب تكمن في أنه يحاول إحياء النصوص التي تمثل الظواهر الفردية الأخرى، الظواهر الخاصة التي لم تلتزم بالسائد من جهة، ولم تلتزم بسنن القصيدة المشهورة من جهة ثانية، كالمقدمة الطللية والمقدمة الغزلية وعناصر وأغراض أخرى .. وإنما هي مقطوعات تأتي عفو الخاطر، ولا تلتزم بالمطولات كالقصائد الأخرى.
وأوضح الدكتور عبدالله، أنه رغم أهمية الكتاب وإحساس صاحبه، وبذل الجهد الكبير في استخراج هذه النصوص من مصادر تزيد على 150 مصدراً، إلا أن الكتاب لم ترافقه دراسة للنصوص، وعلاقتها بزمانها ومكانها أو محيطها.
وإن أشار الكاتب متواضعاً إلى أنه عبارة عن جمع وتحقيق، فإنه لم يضع أساساً لترتيب الشعراء، ولم يُشفع الدراسة بمقدمة كبيرة، وحاول أن يترجم لكل شاعر، لكن الترجمة كانت موجزة جداً، ولا تكفي للتعريف بالشاعر، ولم يرتب الأشعار حسب ترتيب القوافي.
وأشار الدكتور عبدالله إلى أن المؤلف له عدة أعمال تتعلق بجوانب البحث ذاتها، ككتاب «الشعراء الجاهليون» و«شعر عمان في الجاهلية والإسلام» و«شعر قبيلة كليب حتى نهاية العصر الأموي» ودراسات أخرى في تاريخ العرب القديم، ودراسات في اللهجات، ويعتمد في أغلبها على مصادر التراث.
وعن فائدة الكتاب أوضح أنه يقدم للدارس نصوصاً لمرحلة الدراسة الأولى، لتكون الثانية متعلقة بالتمحيص، حيث سيجد الدارس أن هناك نصوصاً شعرية تختلف عن خصائص النص الشائع.
ويمكن على أساسها أن يعطي أحكاماً عن القصيدة الجاهلية تختلف عن الأحكام المتداولة، لأن بعض هذه القصائد، تماماً كمن يطلع على ظواهر اجتماعية لم تمسها دراسة من قبل، فهذه النصوص كانت مطمورة، أبياتها موزعة هنا وهناك، لا تشكل ظاهرة يمكن تناولها، ومع جمعها حققت ذلك.
أما كيفية الجمع، وكونه لم تصاحبه دراسة، فهذا قد يكون خطأ، لكن برأي د. عبدالله، أن الكاتب أشار إلى ذلك حين قال انه جمع وتحقيق، أي قام بتحقيق النص وضبط الشكل.. وعموماً حاول أن يرجع كل نص إلى المصدر الذي أخذه منه، وذلك واضح في الكتاب، أما بالنسبة لفكرة التحقيق بأن نأخذ مخطوطة لم تطبع وغير ذلك، فهذا لا ينطبق على الشعر الجاهلي، لأنه في الأساس لا توجد مخطوطات جاهلية.
وبفتح باب النقاش، انصبت كل الملاحظات أولاً على غياب مؤلف الكتاب، ومن ثم دارت الأسئلة من جديد حول فائدته إذا كانت النصوص موجودة أصلاً في كتب التراث، ولم تصحبها دراسة أو تحقيق أو تراجم ... وتركز النقاش على عدم وجود منهجية للكتاب.
ورأى البعض أن ما قام به صاحب الكتاب يمكن أن يقوم به أي طالب جامعي ... وبالنسبة لتميز الكتاب كونه يجمع شعراء مقلين، أكد البعض أن ظاهرة المقلين موجودة بكثرة، فما المعيار الذي اتخذه أحمد عبيد لانتقاء هؤلاء الشعراء؟
وتطرق آخرون إلى أن النصوص لا تصلح لأن تكون مادة حتى للبحث، لأن مجال الاختيار فيها ضيق وبغياب المنهج والتراجم والمقدمة ... لا يمكن أن يكون الكتاب إضافة إلى سلسلة الكتب الأخرى الموجودة أصلاً.
محمود أبو حامد