ثمة نداء قاس على النفس نقرأه بين الحين والآخر يطالب الدولة بالتدخل لإنقاذ حياة الكاتب أو الأديب الفلاني، حدث هذا مع أمل دنقل حين كتب يوسف ادريس في الأهرام مطالبا بالتدخل لعلاجه.

وتكرر السيناريو مع الكثيرين مرورا بالناقد الراحل عبد الرحمن شكري الذى عانى التجاهل والاهمال مدة عشرين عاما، ثم ذبحه ـ عن غير قصد ـ أنيس منصور في عموده اليومي بالأهرام مطالبا الدولة بعلاج الرجل على نفقتها، وكان قد التقاه في الاسكندرية ووجده عاجزا حزينا، الا ان الرجل لم يتحمل ماكتب.

ولأنه عزيز النفس انكسر ومات، وتكرر السيناريو مع الراحل عبد الرحمن بدوي والشاعر محمد الشهاوي والأديب الكبير علاء الديب الذي اعتذر عن عدم قبول أي مبادرات تستهدف دفع تكاليف علاجه المتبقية لمستشفى وادي النيل الذي أجرى فيه عملية القلب المفتوح مما أدي إلي الحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات غيابيا.

أما محمد مستجاب فكان يعيش على معاشه الشهري الذي يتقاضاه من مجمع اللغة العربية، وهو راتب ضئيل لايسد حاجة شاب يريد ان يبدأ حياته، فما بالك برب أسرة وكاتب يريد العيش الكريم.

ونظرا لضيق ذات اليد أهمل في حق نفسه حتى تفاقمت حالته الصحية، وعندما دخل مستشفى القصر العيني الخاص للعلاج فوجئ وهو فى أسوأ حالاته بفاتورة العلاج فما كان منه الا ان طلب من اصدقائه ان يخرجوه لانه يريد ان يموت وسط اولاده.

* انقذوا خليل كلفت

لن يكون ذلك النداء هو الاخير حيث كتب الشاعر شعبان يوسف يطالب الدولة بالتدخل لانقاذ الكاتب والمترجم الكبير خليل كلفت الذي يعاني من وطأة أمراض الكبد، وناشد رئيس الوزراء ووزير الصحة بالتدخل لعلاجه متمنيا ألا تضيع صرخات الجميع في الهواء .

كما حدث فى حالات اخرى سابقة، فيكون الوقت قد فات، حيث لا يجدى الداخل والخارج معاً في العلاج.

وهو نفس النداء الذى كرره الأديب سعيد الكفراوي وآخرون على صفحات الجرائد المصرية.

سألت سعيد الكفراوى: ألا توجد وسيلة أخرى تحمي الكتاب والمبدعين من غدر الزمن وسطوة الشيخوخة والمرض الذي لايرحم قال: للاسف الكتاب المصريون هم أبأس الكتاب في العالم ماديا من ناحية حصولهم على دخل من الكتابة، لذلك يستعيضون عن ذلك بالعمل في أعمال أخرى لا صلة لها بالكتابة رغم حاجتهم الماسة لهذا الوقت «الإبداع» لأن كتابة القصة أو الرواية أو القصيدة تستغرق وقتا كثيرا ويمتد أحيانا لعدة شهور.

فالكاتب عندنا تنشر أعماله مجانا ولا يفهم السبب فالإنسان الوحيد الذي يعامل معاملة رديئة هو الأديب وما ينتجه من أدب على العكس من ذلك فان الأديب في أوروبا يكفل له دخله من الأدب حياة كريمة تليق بإنسان متحضر.

وعندما تنشر كتبه فإن عائدها يساوي 50 مرة عائدها في مصر فالوضع هنا في غاية السوء إذ لا يستطيع الكاتب التفرغ للكتابة كما يوجد كتاب يعيشون تحت خط الفقر نتيجة التضحية بوقتهم للعمل بالكتابة.

لذا نواجه المرض ونحن في ظروف صعبة ولاحل لإنقاذ الكتاب والمبدعين من المرض الا بالنداءات التي نوجهها للمسؤولين، صحيح لدينا اتحاد كتاب لكنه هزيل ولايمثل نقابة قوية مثل الصحافيين او المحامين ويعطيك ستمئة جنيه في حالة المرض. فماذا يفعل كاتب يحتاج لجراحة في القلب او علاج كيماوي واشعاعي وغير ذلك.

ويقول الناقد إبراهيم فتحي من المؤلم أن يواجه الكاتب والمبدع تلك النداءات القاسية طلبا للعلاج ولكن ماذا نفعل والاديب عندنا لا يستطيع أن يعيش من قلمه على الإطلاق، فلا بد أن يعتمد على وظيفة ما، ومن هنا جاء الاعتماد في الكثير من الأحوال على وظائف وزارة الثقافة.

ومن ناحية أخرى معظم الأدباء أو عدد كبير منهم يعملون بالصحافة ويستمدون دخلهم من الصحافة ولكن الصحافة الجماهيرية قريبة بشكل ما من العمل الأدبي، ولكن أدباء كثيرين يعملون في الوظائف العادية كأطباء ومحاسبين وغير ذلك من الوظائف وأنا مثلا أعمل مترجما وأعتمد في دخلي على الترجمة.

وهي قريبة بعض الشيء من الأدب ولهذا تأثير واضح على الأدباء ولا يستطيع المجال الأدبي أن يكون مستقلا عن السلطة ، فاعتماد الأدباء على الوظائف الحكومية في وزارة الثقافة والصحافة يجعل علاقتهم بالسلطة علاقة اعتماد ويتعرضون لضغوطها، مما يعوق استقلال الحركة الأدبية وتعبيرها عن ذاتها.

ويبقي الأمل في التجمعات الأدبية والنقابات مثل اتحاد الكتاب في الدفاع عن حقوق الكتاب وتأمين حقهم الكريم في العلاج أما كيف يحد ث ذلك فلا أعرف.

ويرى ادريس علي أن الاديب المصري يواجه تاريخيا أزمة في العيش الكريم لأن الأدب لايكفي، لهذا مارس الكتاب والأدباء عملا آخر، توفيق الحكيم كان وكيلا للنائب العام، ورئيسا لدار الكتب وفي أواخر حياته صحفيا، ونجيب محفوظ أمضى حياته موظفا.

وختم حياته بالعمل في جريدة الأهرام وكذلك يحى حقي وأيضا ادوار الخراط، كل الكتاب المصريين استعانوا بعمل آخر لكي يمارسوا مهنة الكتابة. لماذا ؟ لأن مردود أي عمل ثقافي أو إبداعي في واقعنا العربي هو مردود يوازي الهواء.

ويرى الروائى سمير ندا ان مايجري للمبدعين في حالة المرض امر مؤسف ومهين، وكثيرا مالايستجيب احد لندائك ، كيف يتسول الكاتب علاجه؟ في الوقت الذى يعالج فيه البعض علي نفقة الدولة خارج البلاد مثل الفنانين ولاعبي الكرة.

ويضيف ندا ان الناقد المصري الكبير عبد الرحمن شكري عاني التجاهل والاهمال واعتكف لأكثر من 20 عاما لدرجة أنه عندما يذكر اسمه وهو حي يقولون المرحوم عبد الرحمن شكري، ولأنه عزيز النفس انكسر من الداخل، والغريب أن أنيس منصور التقاه في الاسكندرية .

وعاد يكتب في عموده بالأهرام أن الرجل عاجز ومشلول داعياً الدولة لمعالجته على نفقتها، فأخذتني خشية شديدة على عبد الرحمن شكرى لأنني اعرفه جيدا وذهبت لأنيس منصور وقلت له: أنت لم تدرك مأساة شكري ولا طبيعته، والرجل لو أراد مطلب العلاج لما كان صعبا عليه لكن ما كتبته سيذبحه، سيموت عبد الرحمن شكري ودمه في رقبتك وفعلا مات بعد ما نشر عنه بأيام قليلة.