فور الإعلان عن فوزه بجائزة نوبل للآداب حظي اختيار الكاتب المسرحي والشاعر والناشط السياسي البريطاني «هارولد بينتر» بالترحيب في الأوساط الأدبية والثقافية وحتى السياسية، على نحو يعكس الاهتمام الكبير بهذا المؤلف المثير للجدل.

غير أن بينتر الذي اشتهر بخروجه على «تابو» كل من الفكر والسياسة واختزاله التجربة المسرحية البريطانية المعاصرة «البينترية» لا يزال لديه الكثير ليقوله حتى بعد تصريحه الأخير باعتزال الكتابة المسرحية. في مقتطف من حواره مع محررة الإندبندنت اللندنية يُكشف النقاب عن مسرحيته الجديدة «أصوات» المنتظر بثها عبر إذاعة «بي. بي. سي».

«بينما يستعد، هارولد بينتر، للاحتفال بعيد ميلاده الخامس والسبعين، يتم الإعلان عن مسرحيته الإذاعية الجديدة المعدة خصيصاً للاحتفاء بهذه المناسبة. بالتزامن مع هذه الاستعدادات سألته محررة الإندبندنت عن الأسباب التي تحمله على تفتيت أهم أعماله السابقة وإعادة تركيب أجزائها الصغيرة.

فيما هو يوشك على الاحتفال بعامه الخامس والسبعين هذا الأسبوع، تظهر على بينتر علامات الضعف والنحول، أثناء سيره متكئاً على عصا مزخرفة، برسوم لاصقة متلألئة، متنافرة بعض الشيء. ما أن التقيه للمشاركة في الاحتفال المعد خصيصاً للإعلان عن مسرحية «أصوات» حتى يتوجه إلى بالحديث «إنني منهك، أقترب من النهاية، لا أكتب كثيراً».

على الرغم من علامات الضعف الشديد البادية بشكل واضح على صوته، المعروف سابقاً بنبرته القوية العالية - المشكلة المترتبة على صراعه الطويل الذي استمر ثلاثة أعوام مع مرض السرطان. إلا أن صوته الإبداعي، كما يظهر في هذه الدراما الموسيقية القصيرة التي لا تزيد مدتها على 29 دقيقة، والتي تم تأليفها بشكل مشترك مع المؤلف الموسيقي «جيمس كلارك» لا يزال قوياً ومدوياً كما عهدناه.

إن هذا العمل الأخير الذي انتهى من تأليفه كاتب لا يعرف التعب إليه طريقاً سيتم بثه عبر القناة الثالثة في هيئة الإذاعة البريطانية، بي. بي. سي، احتفاءً بعيد ميلاده.

في شهر فبراير الماضي، أعلن بينتر أنه سيستقيل من وظيفته ككاتب مسرحي، وفي تصريح مقتضب قال «أعتقد بأنني قد توقفت عن الكتابة المسرحية... لقد كتبت 29 عملاً مسرحياً، ألا يبدو هذا كافياً؟».

غير أن ذلك التصريح لم يكن كافياً على الإطلاق. إذ إن بينتر كان قد أعلن كذلك أنه قد «عثر على أشكال إبداعية أخرى»، مضيفاً «الحقيقة، أنني سأستمر في تأليف ما يمكنني تأليفه إلى أن تحين نهايتي».

قد يبدو من ذلك أن بينتر ربما كان منهمكاً في كتابة عمل يتناسب مع وضعه كمسرحي متقاعد، إلا أن مسرحية، أصوات، في حقيقة الأمر، وليدة لحظات عظيمة من حياته.

فهي تبدأ بخطاب موجه من كلارك إلى بينتر في أعقاب مشاهدته مسرحية «من الرماد إلى الرماد» عام 1996، مثلما يوضح كلارك ذلك «الحقيقة أنني أشعر بالانجذاب الشديد إلى تفكيره. وهو ما حملني على التفكير في العمل معه. على الرغم من أنه كاتب وعلى الرغم من أنني مؤلف موسيقي، إلا أن هنالك الكثير مما يصل بيننا».

حسب ما يقوله كلارك التقى الاثنان عام 1997، بهدف، «الخروج بعمل مبتكر يجمع بين الموسيقى والكلمات». غير أن العمل على هذه المسرحية كان قد استغرق فترة طويلة من الوقت مما يحول دون تذكر بينتر نفسه للحظة التي بدأت معها الشرارة الأولى.

بينما يدعي كلارك أنه كان مشدوداً إلى «الحساسية الموسيقية والدقة» التي تتميز بها أعمال بينتر المسرحية. غير أن الحقيقة يمكن تفسيرها بأن كل منهما يبدو على المستوى الإبداعي مكملاً للآخر. أما كلارك فهو موسيقي معاصر يهمه أن يبرهن على أن «دور الفن الحديث لا يقتصر على التأثير في مستمعيه، وإنما الإصرار على تقديم نفسه بقوة عوضاً عن النزول عند رغبات الآخرين».

لكي يتسنى له كتابة هذه المسرحية، قام بينتر بتفتيت خمسة من أعماله الأخيرة ـ «واحد للطريق»، «لغة الجبل»، «النظام العالمي الجديد»، «احتفال»، من الرماد إلى الرماد ـ ثم أعاد تركيب أجزاء صغيرة منها تدور حول موضوعات آنية هي الوحشية، التعذيب، والقمع، ليأتي بعد ذلك دور كلارك الذي قام بقراءتها ووضع الموسيقى الخاصة بها.

المسرحيات التي وقع عليها اختياره تشترك كلها في موضوعات تلقي الضوء على توازنات القوى، بين الضعيف والقوي، الضحية والجلاد، السيد والعبد. وهي موضوعات تظهر على خلفية بعض الممارسات الدكتاتورية اللاإنسانية، التي يسعى بينتر من خلال إبرازها إلى تسليط الضوء على شخوصه التي تمارس الإستجواب والتعذيب والحراسة وغيرها من السلوك الوحشي الذي يتعرض له السجناء الأبرياء.

في مسرحية، واحد للطريق، يظهر بطله نيكولاس، الذي يقوم باستجواب إحدى العائلات (وهنا، تتضمن المشاهد أشياء مقززة كالإغتصاب والتعذيب الوحشي). في مسرحية، النظام العالمي الجديد، التي تصيبنا بالصدمة العنيفة فور الإستماع إليها نسترق السمع إلى حوار بين شخصيتين تمارسان التعذيب، ضد مجموعة من الضحايا المعصوبين الأعين، يقول أحدهما ( لم ننته حتى من استجوابه. نحن لم نبدأ هذه المهمة من الأساس)».

في حين يأخذ تعذيب ريبيكا على يد ديفلين في مسرحية من الرماد إلى الرماد منحى آخر خاصة عندما يكتشف المرء أن من يمارس هذا العنف ضدها هو حبيبها السابق الذي ينضم إلى جماعات العنف المنظم الذي ترعاه السلطة.

أما مسرحية لغة الجبل، فيدور موضوعها حول ممارسات حارس سادي يقوم باستعراض للقوة موجه ضد مجموعة من أهالي إحدى المناطق الجبلية الذين يحظر عليهم الكلام في أي شيء باستثناء لغة البلاد الرسمية.

في، الإحتفال، يسخر بينتر من تدابير الحماية التي يلجأ إليها أفراد الطبقة المتوسطة، التي يصفها لنا في الحفلة الصاخبة التي تضم مجموعة من المنتمين إلى النخبة الاجتماعية والتي تستمر طقوسها التي لا تحتمل على الرغم مما يحدث في الشارع القريب من عنف وإرهاب.

بذلك، تشير مسرحية، أصوات، إلى توجه جديد في فكر بينتر المسرحي التجريبي، وهو ما يعززه بالفعل ما ورد في الخطاب الذي ألقاه أثناء قراره اعتزال التأليف المسرحي.

قال «لقد عثرت على أشكال تعبيرية أخرى. وعلى الرغم من أن طاقتي الإبداعية تسير الآن في اتجاه مختلف، باتجاه الشعر بكل تأكيد. إلا أنني طاقتي تصب في جزء كبير منها في السياسة، وهو ما أعتقد أنه من الأمور الأكثر إلحاحاً».

ترجمة: مريم جمعة فرج

عن «الاندبندنت»