من حين لآخر تثار قضية مدى صحة نشر أعمال أدبية رفض الكاتب نشرها في حياته . القضية قديمة وشائكة لكن بعض النقاد يحلونها ببساطة باعتبار أن نشر هذه الأعمال و التعامل معها نقديا سيؤدى إلى فهم أعمق بأسرار العملية الإبداعية للكاتب ويمكّن من تتبع الطريق الذي سارت فيه حتى وصلت بالكاتب إلى ما وصل إليه من شهرة ومجد ، وهو ماتسميه الناقدة عبير سلامة بالنقد التكوينى.
ويحلها آخرون مثل عبده وازن باعتبار أن من حق القاريء أن يرى طفولة الكاتب ويقف على الأسباب التي جعلته يحجم عن نشر هذه الأعمال بالذات في حياته بل ويوصى احيانا بعدم نشرها بعد موته. هكذا نكون أمام دفاع عن حق الناقد ودفاع عن حق القاريء في الوقت الذي لانجد فيه دفاعا عن حق الكاتب المالك الأصلى للنص.
بالطبع من أسباب إحجام الكاتب عن نشر عمل من أعماله أن يكون العمل ابتدائيا ، ناقصا وممتلئا بالعورات ، وشعوره بأن عملا بهذا الشكل إنما يسييء إليه ويحط من مكانته التي وصل إليها عبر خبرته بالحياة و الكتابة . أى ان ما يدفعه إلى إخفاء هذا العمل أو ذاك هو شعوره بالخجل ، وبأن نشره يجعله قبيحا أمام عين القاريء التي أفلح أخيرا في جعلها تراه أجمل فأجمل،
تقول ايزابيل الليندى :إن ترجمة كتبى إلى سبعة وعشرين لغة تعنى انه يوجد كتاب قديم لى يصدر للمرة الأولى في أماكن مثل تركيا لذلك أجد صحافيين يأتون و يجرون معى مقابلات عن كتاب (ايفالوفا) الذي كتبته منذ أكثر من عشرين عاما مضت !! وبالتالى أتأكد كم أنا أكرر نفسى ، فالشخصيات لها أسماء مختلفة لكنها كلها الشيء نفسه !!
هكذا ترى ايزابيل - بوعيها النقدى - المسافة التي قطعتها في رحلة الابداع . و لولا أن العمل صدر بالفعل ، وأصبح ملكا للقاريء، وجزءا من ذاكرته لكانت أخفته أو أوصت بعدم نشره !!أرجو ألا نختلف في أن المتعة من الأهداف الرئيسية للفن ،
وإذا سلمنا بهذا فإننى أتساءل : أية متعة في أن أقرأ لنجيب محفوظ مثلا قصة تافهة ، أو رواية معطوبة رفض نشرها في حياته ، حتى بعد أن أصبح على هذه الدرجة من الشهرة والذيوع، وحتى مع مرور سنوات طويلة لم يكتب فيها شيئا ، أوينشر شيئا بالرغم من مطاردة الناشرين له.
إننى أتفهم حاجة النقد إلى التعامل مع مثل هذه المحاولات المرتبكة ولكننى لا أقرها ، فليست المحاولات الأولى - التي لم ينشرها الكاتب - هى فقط ما تظهرالطريق الذي مضت فيه التجربة ، فالكاتب مشروع يتغير أو يتأكد عملا بعد عمل ، وليس هناك من كاتب كل أعماله سواسية في الجودة ، إذ أن الخبرة بالحياة والكتابة تحتاجان إلى الوقت ، يقول ماركيز في كتابه الساحر «عشت لأروى» واصفا كيف قرأ (الاستسلام الثالث)
وهى أول قصة نشرت له: قرأت القصة مختبئا في حجرتى بقلب جامح وفى نفس واحد متصل ، لقد كنت أكتشف في كل سطر القدرة الساحقة للكلمة المطبوعة ، فما بنيته بكثير من الحب و الألم - كمحاكاة خاضعة لعبقرى عالمى (يقصد كافكا) - تكشف لى عندئذ على أنه منولوج متشابك وهش ، يستند بمشقة على ثلاث أو أربع جمل تمنح العزاء ، كان لابد من مرور عشرين سنة قبل أن أتجرأ على قراءتها مرة ثانية وكان حكمى آنذاك - دون أن تخفف منه الشفقة كثيرا - أقل رضى بكثير».
لقد تحدث عبده وازن عن رواية أولى لم تنشر لعبد الرحمن منيف هى «أم النذور» نشرت مؤخرا رغم تجاهل الكاتب لها في حياته ، وكذلك فعل مع مسرحية أولى لعبد الله ونوس هى «الحياة أبدا»، وقد احتفى بالرواية والمسرحية لجودتهما لكن السؤال الذي يبقى : ماذا لو كانت هذه الأعمال رديئة، ولماذا نحجر على حق الكاتب في أن يرى عمله من منظور نقدى ، وقبل هذا كله لماذا نقتحم خصوصيته ونجور على حقه الأصيل في التصرف في ملكيته ؟!
إننى أتفهم ما يقوم به أدونيس من تغييرات في الطبعات المختلفة لأعماله الكاملة ، وهى التغييرات التي يتدخل فيها بالحذف و التعديل ، كأن يصدر طبعة من أعماله الكاملة يكتب على غلافها (صياغة نهائية) أو يصدر عن دار المدى طبعة اخرى يعيد فيها ترتيب القصائد لا كما كانت في الدواوين وإنما على أساس موضوعى ، وكأنه وهو يفعل ذلك إنما يتخلص مما أسماه ماركيز «رعونة الكتابة وجهل القلب البشري» .