يعتبر الكاتب الروسي ايفان سيرغيفيتش تورجينيف (1818 ـ 1883) واحداً من أهم كتّاب الواقعية في الأدب العالمي. فقد ولد في عائلة نبيلة وأمضى طفولته في قرية «أوريل» في مقاطعة «سباسكوي لوتوفينو» ثم انتقل مع عائلته إلى موسكو عام 1833، وانتسب إلى جامعة موسكو، وبعد عام انتقل إلى جامعة بطرسبرغ فدرس الفلسفة في كلية الآداب وتخرج منها عام 1837.
بدأ الكتابة منذ أن كان طالباً وكتب القصائد الشعرية الرومانسية، ثم نشر قصصه في مجلة «سوفريمنيك» تحت عنوان «مذكرات صياد» وقد حقق بذلك شهرة واسعة في روسيا. ومنذ أن نشر قصصه الأولى قال عنه الناقد الروسي الكبير بيلنسكي: «إن تورجينيف سيصبح كاتب روسيا المبدع في المستقبل».
ففي عام 1856 نشر روايته «رودين» وبعدها رواية «آسيا» عام 1858، ورواية «بيت النبلاء» عام 1859، ولعل روايته الشهيرة «آباء وبنون» عام 1862 التي أهداها إلى ذكرى بيلنسكي تعتبر من أهم أعماله الروائية على الإطلاق والتي حققت له شهرة عالمية. فقد قال عنها تشيخوف: «أية رواية عظيمة هذه».
وفي منتصف الأربعينات من القرن التاسع عشر بدأ بكتابة المسرحيات، فقد سار على خطى واقعية غوغول فكتب مسرحية «الافلاس» عام 1846 وفي عام 1850 كتب مسرحيته الشهيرة «شهر في القرية» والتي أثرّت كثيراً على كتابات تشيخوف فيما بعد، وسوف نأتي على ذكرها بالتفصيل، وفي منتصف الخمسينات تابع كتابة مواضيعه عن الريف فكتب مسرحية «مومو» عام 1854 وأتبعها بمسرحية «بانسيون» عام 1855،
وفي سبتمبر عام 1849 نشرت وعرضت كوميديا «الأعزب» في ثلاثة فصول وصوّر فيها تورجينيف موضوع الإنسان البسيط «المسحوق». فالمسرحية تعرض بواقعية شفافة عالم الموظفين الفقراء والذين لا تسنح لهم الفرصة في الترقي الوظيفي أمثال «موشكين» البطل و«فيلتسكي» خطيب الفتاة، فيعيشون حياة بائسة رغم ما يبذلونه من جهد صادق في عملهم.
وفي إطار الواقعية يقدم تورجينيف سلسلة من المواقف الدرامية الحارة، فشخصية «موشكين» بطل المسرحية الذي يرعى الفتاة اليتيمة «ماشا» ويضمها إلى كنفه بعد موت أمها، فيرعاها كابنة له ويسعى ليجد لها الزوج المناسب. وحين يتخلى عنها خطيبها تشعر الفتاة بالمرارة واليأس، وكذلك يحسّ موشكين بفشله في إسعاد ماشا.
ويقع موشكين ضمن مفارقات كوميدية فيتأرجح بين مشاعر الغضب والثورة على الخطيب الغادر، والرجاء والأمل في عودته. وفي الوقت نفسه تصلنا مشاعر موشكين الصادقة تجاه الفتاة ورغبته في إسعادها. وها هو موشكين يكاد لا يصدق نفسه وهو الأعزب في هذه السن بأنه سيتزوج من ماشا البسيطة الطيبة الجميلة. فيأخذ على نفسه عهداً بإسعادها وتحقيق كل ما حُرمت منه.
من ناحية أخرى نجد فيلتسكي الذي يضحي بحبه في سبيل مصالحه الشخصية والمظاهر الخدّاعة بتحريض من صديقه «فونك» الألماني فيشير عليه مدّعي الثقافة والتقاليد وبعجرفة واضحة يدعو صديقه بترك الفتاة التي يحبها لأنها ليست من مستواه الاجتماعي وقد تفسد له مستقبله في الوصول إلى مركز مرموق. عرضت كوميديا الأعزب في بطرسبرج في أكتوبر 1849 ثم في موسكو في يناير 1850.
وكانت هذه أول كوميديا تُعرض لتورجينيف. وقد كتب الكاتب نيكراسوف عنها قائلاً إنها أضفت على الممثلين الروس شعوراً بالمسؤولية والالتزام الكامل بالتعايش الأمين مع نصّها الصادق. وكان نيكراسوف يرى في هذه الكوميديا الواقعية امتداداً رائعاً لمدرسة غوغول في الدراما.إن مسرحية «الأعزب» هي أفضل ما قدمه تورجينيف للمسرح في مضمونها وبنائها الدرامي. أما كوميديا «شهر في القرية» (1850)
فتعرض تقاليد جيلين وطبقتين اجتماعيتين وتبرز مدى تأثر شخصية الفرد وتطوّره في تلك الطبقة التي ينشأ فيها. تتميز كل من الطبقتين بسمات اجتماعية وفكرية ونفسية معينة، طبقة النبلاء والمثقفين المفكرين من ناحية، والطبقة المتواضعة البسيطة التي تتصرّف على سجيتها من ناحية أخرى،
فنتاليا بتروفنا زوجة الثري ايسلايف امرأة متزنة على قدر كبير من الثقافة والمركز الاجتماعي والثراء ولكنها تحس بالشيخوخة الروحية فقد كبلتها قيود طبقتها الارستقراطية، وتسعى إلى الانطلاق والخروج من تلك القيود فتقع في حب الطالب «بيلايف» وهو شاب بسيط وتلقائي في سلوكه وحياته.
وفي الوقت نفسه تشعر «فيروتشكا» الفتاة الصغيرة ربيبة المنزل بالحب تجاه بيلايف كذلك؛ وتتطور أحداث المسرحية فيبدأ صراع بين الزوجة التي تحب الطالب وبين الفتاة الشابة التي تفضح ما تحاول أن تخفيه ناتاليا بتروفنا من عاطفة دفينة تجاه بيلايف. وتتعقد الأحداث عندما يظهر «راكيتين» صديق الأسرة النبيل المثقف الذي يحب الزوجة أيضاً.
ويصل التوتر الدرامي إلى ذروته عندما تعاني تناتاليا بتروفنا بين رغبتها في الانطلاق والمرح مع بيلايف الشاب الفقير ذي الطبيعة المتفتحة المحبة للحياة وبين تفكيرها في زوجها الطيب ومكانتها الاجتماعية وكذلك في صديقها المخلص «راكيتين». ويصل التوتر إلى قمته عندما تعترف الفتاة الصغيرة بحبها لبيلايف، فتحس ناتاليا بالضياع ولا تستطيع السيطرة على قلبها.
ثم تبدأ العقدة في الانفراج حتى ينتهي الأمر بمغادرة الطالب بيلايف المنزل وكذلك يرحل أيضاً «راكيتين» لتعود الأمور إلى مجرها الطبيعي. ولقد كان إخراج ستانيسلافسكي لكوميديا «شهر في القرية» عام 1909 بداية مرحلة جديدة ومهمة لمسرح تورجينيف ارتبطت بالفهم الصحيح لفنه المسرحي واكتشاف سماته المميزة وخصائصه مما ساعد على انتشار عروض مسرحياته في روسيا وأوروبا.
وفي كوميديا «الريفية» التي نشرت وعرضت في 1851 وقد كتبها تورجينيف خصيصاً لصديقه «شبكين» نجم المسرح في موسكو ويصور فيها ذكاء المرأة ودهاءها وحسن تدبيرها ولباقتها ودلالها. داريا ايفانوفنا تشعر بالسأم من حياة الريف وما يكتنفها من رتابة وملل وتتوق نفسها إلى الانتقال إلى العاصمة حيث حياة البهجة والمرح.
ولكن كيف السبيل إلى ذلك وهي زوجة موظف صغير في الريف وليس هناك أي أمل في تغيير ظروف حياتها.. غير أنها لا تستسلم للأمر الواقع، بل تستخدم ذكاءها لتحسين وضعها الاجتماعي وتحقيق ما تتطلع إليه من حياة المرح والترف.
أحدث نشر كوميديا «الريفية» وعرضها على المسرح صدى كبيراً في الأوساط، وسارع النقاد إلى تقييمها، ففريق منهم مثل الناقد «فولف» أشاد بنجاح المسرحية وإن كان لا يرى فيها أكثر من ملهاة تصلح للقراءة في الصالونات الأدبية.
هي وإن كانت قد أحرزت نجاحاً أكثر من بعض مسرحيات تورجينيف الأولى والأكثر شهرة مثل «الأعزب»، فهذا يرجع إلى أن المؤلف يعزف فيها أنغام الحب والغرام والدلال، وهي من الدعائم الأساسية لكوميديا ذلك العصر.
في سنوات العشرين الأخيرة عاش تورجينيف في الغربة فسافر أولاً إلى بادن بادن ثم ذهب إلى باريس حيث تعرّف على مجموعة من الأدباء والمفكرين أمثال فلوبير، دودي، اميل زولا، الإخوة غونكور، غي دي موباسان. هؤلاء جميعاً وجدوا في تورجينيف واحداً من أهم كتّاب الواقعية في الأدب العالمي.
فقد اعتبره موباستان معلمه الأول. وكان كل من هوغو وتورجينيف قد أصبحا من كبار كتّاب اتحاد الأدباء العالمي الذي عقد في باريس عام 1878. ترك تورجينيف أثراً كبيراً على الكثير من الأدباء نذكر منهم: ليف تولستوي، تشيخوف، بونين، فيرسايف وآخرون من الكتّاب الروس والعالم. وقال تولستوي: «لقد قدّم عملاً كبيراً عندما أبدع شخصيات نسائية مدهشة»، وقد اعتبره لينين بأنه أروع من أبدع لغة خاصة في الأدب.. لغة جميلة وعظيمة.
د. وانيس باندك