مازال «فتحي عفيفي». يدهشنا بقدرته على سرد بصري يتجاوز المألوف بتلقائية وبساطة مذهلة، عندما يصور في لوحاته مشاهد يومية لا نتوقف أمامها عادة، أو عندما يدعونا إلى داخل عنابر المصانع يطلعنا على ما يمكن أن نراه.. حيث يعد بذلك حكاء تشكيلياً من طراز استثنائي، يحتفظ ببكارة المشهد الذي يتناوله.
فقد اخترق فتحي عفيفي ابن حي السيدة زينب أحد أعرق أحياء القاهرة الشعبية جداراً صلباً من المفاهيم والتقاليد والاعتبارات، عندما اختار الفن طريقا بدون أي سند تعليمي أكاديمي، إلا اعتماده على قدرة ذاتية.جاء معرض فتحي عفيفي بأتيليه القاهرة تحت عنوان (25 سنة فن) ليدعونا إلى التعرف على إبداعات تنتمي إلى الواقعية السحرية التي تثير في الجميع وشائج ود وحب وتعاطف،
فعلى نحو عفوي رسم الآلات الهادرة في المصانع، تلك التي كان يناجيها أثناء عمله اليومي، بعد حصوله على دبلوم المدارس الصناعية، ليعمل في المصانع الحربية، لكنه لم يكتف بذلك فالتحق بالقسم الحر بكلية الفنون الجميلة وحصل على منحة تفرغ للإنتاج الفني من وزارة الثقافة في الفترة من العام 1990 وحتى 1998.
وإذا كان فتحي عفيفي يشترك مع الفنان السكندري «حامد عويس» 1919 في تناوله عمال المصانع، إلا أنه ينفرد بأنه جسد نشاط العمال اليومي داخل المصانع وعكس لنا في حساسية بالغة سطوة الآلات وقوتها للدرجة التي يمكن أن نسمع هديرها الذي لا يتوقف، بينما اكتفى حامد عويس برسم العمال أثناء خروجهم من المصنع سواء نهاراً أو ليلاً.
على هدى نصيحة الفنان راغب عياد (1892- 1982) اختار فتحي عفيفي أن يتجه إلى الواقعية السحرية.. حيث نصحه «عياد» بقوله: «أنت في السيدة وفي المصنع ارسمهم وأغرق فيهم»، وهي البيئة التي خرج منها «حامد ندا» ئ؟(1990 -1924)ئ؟ وعبد الهادي الجزار.
لقد استطاع فتحي عفيفي أن يعكس تجربة حقيقية من خلال معايشته للعمال والآلات والغبار والورش وأثر الزيوت ورائحة الشحوم هي عالمه في الواقع، حيث تتميز ببكارة خاصة تعكسها تناوله الخشن لألوانه على سطح اللوحة، ومن منظور طائر بهدف حشد اللوحة بعناصر متعددة تنظم مفرداته في محيط صاخب.
تحصن فتحي عفيفي في مراحل عديدة من مسيرته بالأبيض والأسود على نحو اقتصادي يشحن لوحاته بطاقة تعبيرية تتفق مع هذا الأسلوب.يكشف معرض فتحي عفيفي (25 سنة فن) عن حالة استثنائية سواء في توجهه الفني أو تناوله الإبداعي
حيث يقف في المنطقة الفاصلة بين الاحترام الصارم للقواعد والأسس الأكاديمية المرعية، والتعبيري التلقائي العضوي بحساسية ووعي مكتسب وهو ما يذكر بمسيرة الفنان العالمي «هنري روسو» ذلك الجمركي الذي اكتسب شهرة كبيرة تضعه في مصاف الفنانين العالميين.
القاهرة ـ سيد هويدي