العقيدة الإسلامية بجذريها القرآن والسنة، هي خطاب عقلي، خطاب إلى عقل يقرأ، يبحث، يدرس، يحلل ـ يقرب المسافة بين العبد والرب. وهذا ما دعا إليه رواد النهضة العربية إطلاق العقل من سجنه الذي وضعه فيه الإمام الغزالي، فكف العقل عن أن يكون عقلاً.

فلا نهضة بدون الوعي بالذات، والوعي بالآخر، والانفتاح على علومه وثقافته. هكذا من قبل فعل الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، وهم الذين أسسوا لتلك الفلسفة الإسلامية، ولو أن بعضهم كابن رشد تعرض للتكفير، ورمي بالزندقة والضلالة.

ففي النظم الشمولية يصير العقل السلطوي مدافعاً، يصير فقهياً يفتي، يجيز للحكام والولاة الاستبداد، استرقاق شعوبهم. وهؤلاء الفقهاء ـ فقهاء الظلام خلطوا الشرع المنّزل مع الشرع المتأول. الأمر الذي يعني أن فتاواهم ـ نصهم ـ الذين خلطوا فيه الدين بالدنيوي لم يعد له أي قداسة، وهو نص غير ملزم.

الإمام محمد عبده، وكذلك عبد الرحمن الكواكبي ومحمد رشيد رضا وغيرهم اشتغلوا على فصل (الخلط) وعلى رفع الحصانة القداسة عن قوانين مدنية تلبس ثياب القوانين الدينية. فالإمام محمد عبده كان يرى أن الإسلام هو الذي دفع ـ كما قلنا آنفاً ـ ليبحث ويدرس في أساس العبادات. لقد دعا إلى الإصلاح من مبدأ هو قاعدة في الدين تقول: أينما تكون المصلحة فثمة شرع الله.

فهو وعندما عاد من منفاه في (بيروت) بدأ في تنفيذ مشروعه لإصلاح (عقلية) الأزهر، إصلاح الخطاب (المتأول) الذي يتعاطف مع الخرافة، مع الوالي والحاكم. هنا اصطدم مع المشيخة، ومع الخديوي ثانية، فقامت القيامة عليه وحدث الذي حدث من شغب كان وراءه الخديوي نفسه، فامتد الشغب إلى الشارع، فحنق عليه الرأي العام الذي وقف ضد إصلاحاته، وكذلك الوطنيون المصريون الذين كانوا أيضاً ضده، لأنه ـ في رأيهم ـ كان خائناً لمصريته بسبب صلته بالإنجليز،

متناسين مشاركته في الثورة العرابية ومحاولته التي فشلت في اغتيال الخديوي. وهذا ما دعاه لأن يقدم استقالته من الأزهر. ما الذي اقترفه الإمام من ذنب أو من جريمة ـ مثله كذلك الكواكبي؟ هل في الدعوة إلى التثاقف، إلى التلاقح المعرفي بين الشرق والغرب، وإلى إصلاح برامج التربية والتعليم، والدعوة إلى فتح باب الاجتهاد والتشريع ـ الصحابة من قبل وبعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم اجتهدوا وشرّعوا ـ

ومقاومته لفقهاء فكر التهدئة السياسية، إذ كان يعتبر أن الدولة ذات طبيعة مدنية لا دينية، فلا يجوز مساعدتها على إلغاء مشاركة أفراد الأمة، مصادرة رأي المجتمع، في تقرير مصيره في الحرب أو في السلم أو في شؤون حياته العامة. لأن الدين يكفل حرية البشر في اختيار حاكمهم وتقرير مصيرهم (وأمرهم شورى) وأن حاجة العالم الإنساني إلى الرسل إنما هي حاجة روحية، وكل ما لامس الحس منها فالقصد منه إلى الروح،

أما تفصيل طرق المعيشة والحذق في وجوه الكسب، وتطاول شهوات العقل إلى درك ما أعد للوصول إليه من أسرار العلم، فذلك مما لا دخل للرسالات فيه إلا من وجهة العظة العامة والإرشاد إلى الاعتدال فيه، كي لا يحدث ريب في الاعتقاد، ولا يصيب أحداً من الناس بشر في نفسه أو عرضه أو ماله بغير حق.

وإن الوحدة الوطنية والقومية هي الأساس في التعايش، فالدين الإلهي إنما هو دين واحد، بينما التعدُّد هو تعدُّد الشرائع، إذا وعينا حقيقة هي أن الدين أصوله واحدة عند كل الرسل، فلا يجوز أن يكون الدين مصدر شقاق وطائفية ونزاع، بل يجب أن يكون مصدر غنى وثراء في الفكر، ينبع من التنافس المؤدي إلى الإبداع.

ما الذي فعله الإمام محمد عبده حتى يرميه الأزهر والخديوي والعامة والخاصة من الوطنيين المصريين بما رموه في مثل هذه الدعوات ألم يُعل القرآن الكريم من مقام العقل والذين يعقلون؟ أم إن الأصولية (السلفية) والتي صادرت العقل وأهانته في عمقنا الفلسفي حين كفّرت ابن رشد الذي ساعدت أفكاره الفلسفية في بعث عصر النهضة الأوروبية وإحيائه، حتى إن خصوم اللاهوت الكنسي سموّا أنفسهم بـ «الرشديين اللاتين) سيبقى سيفها مسلطاً على العقل؟

يقول طه حسين والذي اعتبر خروج الإمام محمد عبده من الأزهر، قد خلق محنة سياسية في مصر: الدين لا يستطيع أن يعتدي على الحرية العلمية اذا لم تمده السياسة بالذخائر والسلاح. ولو وقفت السياسة موقف الحيدة المطلقة بين العلم والدين لكفّت أيدي الناس عن الناس، وأقرّت الأمن في نصابه، وتركت للعلم حريته، وللدين حريته. فما الذي يمكن أن يقع من العنف بين العلماء ورجال الدين؟ لا شيء إلا الخصومة الكلامية، لا شيء إلا المناقشة والجدل.

انه الاستبداد ـ الاستبداد الذي يلغي باب الاجتهاد، يلغي التفاعل مع تراث الفكر الانساني سواء قديمه، اليوناني والرومانسي والفارسي والذي نهلت منه الحضارة الإسلامية في شبابها علومها ومعارفها، أو حديثه.. ودفعت بالعقل ليبحث ويحلل ويجرب،

وليس ليتقوقع ويتشرنق حول ذاته، فيفسر نصه، يقرأه بحرفية تقليدية كما كان يفعل شيوخ الأزهر الذين انقلب عليهم الإمام محمد عبده، وحاول في برنامجه الإصلاحي ان يحرر عقلهم من الجمود العقائدي، من ثابته واستقراره، فيما كان العقل الأوروبي يصنع، ينجز نهضته على مستويي الكم والكيف، فيقوى باكتشافاته وهي اضافات أبدعها في مجمل العلوم والمعارف الإنسانية.

موقف الإمام محمد عبده هذا من اصلاح برامج التربية والتعليم، ومن اصلاح الأزهر، يذكرنا، بموقف الحسن البصري الساخر من فقهاء السلاطين الذين كانوا يجتهدون لالهاء الناس بالفروع عن الجوهر، فيجعلون من (الفقه) علماً يبحث في طهارة أو نجاسة دم البراغيث، ما دفع الحسن البصري لأن يعجب ويتعجب ويقول: يا عجباً من بلغّ لسانه في دماء المسلمين كأنه كلب، ثم يسأل عن دم البراغيث أهو طاهر أم نجس!!؟.

الأمر الذي يعني ان هناك فرقاً بين عقل الفرد ـ العقل المثقف الذي يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه فلا يترك العقل يرى دينه من وجهة نظر (أحادية) متطرفة تعيق حركة التطور الإنساني، وبين عقل المؤسسة الدينية الرسمية، سواء كانت متمثلة في الأزهر عند الإمام محمد عبده، أو في غيره من مرجعيات تحرّم بل تكفّر أي اجتراء على قراءة مثل هذا الخطاب السلفي الذي تمليه وتروجه مثل هذه المؤسسات. فالعقل (أي عقل ـ لا يصدّق أن الله غير موجود، لكنه حتى يحس بوجوده فلا تمنعه من التفكير.

إن رفع الاستبداد عن العقل هو ما عمل عليه الإمام محمد عبده، ولكل عمل مثل هذا العمل جزاء عند المستبد. فمن قبل وبثلاث سنوات، أي في عام 1902 اغتيل عبدالرحمن الكواكبي في القاهرة، وهو الذي كتب (طبائع الاستبداد) ورأى أن رفعه ـ رفع الاستبداد من وظيفة (عقلاء) الأمة وسراتها. وهذا ما يدعونا لمعرفة سبب موت الإمام محمد عبده المفاجئ بعيد خروجه من جامع الأزهر في ذلك اليوم من عام 1905.

فلقد قيل إنه مات بالسرطان، لكن الذي كان يجب أن يقال: إنه مات بالسم مثل صنوه الكواكبي، فالإمام قام من قبل بمحاولة قتل الخديوي إسماعيل في قصره. ولما احتل الإنجليز مصر ونفوه عنها إلى بيروت قال ما معناه: إن انتصاركم للحرية هو انتصار لما فيه مصلحتكم ـ يقصد مصلحة الإنجليز، وإن عطفكم علينا كعطف الذئب على الحمل، فنرجوكم أن تغادروا بلادنا إلى غير رجعة.

أنور محمد