بالتزامن مع الذكرى المئوية لميلاد الروائي السوفييتي «ميخائيل الكسندروفيتش شولوخوف « المنتمي إلى تيار، الواقعية الاشتراكية، بدأت روسيا احتفالاتها المقامة خصيصاً للاحتفاء بهذه المناسبة. وهو أمر لا يبدو غريباً على شخصية مثل ميخائيل شولوخوف، إذ أن هذا الروائي الذي رحل عام 1984، هو الوحيد الذي دخل التاريخ بوصفه الأديب السوفييتي الحائز على جائزة نوبل للأدب دون أن يكون في تاريخه أي صدام مع السلطة.
الآن وفي أثناء الاحتفال بمئويته الأولى يبدو أن ثمة جدلاً يحيط بتركته الأدبية كما تبرهن أقوال بعض رجال الصحافة والمؤرخين البارزين. إذ أن تاريخ ميلاده هو الآخر لم يسلم من الأمور المثيرة للجدل. فبينما تؤكد السجلات الرسمية أنه ولد في سنة 1905، تعتقد مصادر أخرى أن عمره الحقيقي يزيد على ذلك وأن هذه الزيادة تتراوح ما بين عام إلى عشرة أعوام. والأكثر من ذلك ادعاء البعض أن رائعته الروائية «الدون الهادئ».
الصادرة بين 1928 -1940 كانت منتحلة في غالبيتها، وأن كل من الشهرة التي نالها في أعقاب نشرها وجائزة نوبل التي منح إياها في سنة 1965 لم يكن ليستحقها في واقع الأمر. في هذه الرواية، يعبر شولوخوف عن مشاعر التذبذب السياسي والعاطفي التي تسيطر على الضابط القوزاقي، غريغوري ميليخوف، أثناء اندلاع الحرب الأهلية الروسية وخضوع قوزاق منطقة الدون للإدارة السوفييتية.
على الرغم من أن نشره رواية «الدون الهادئ» كان قد تبعه، تراجع مطرد في موهبته الإبداعية، وصل إلى ذروته في سلسلة الكليشيهات المبتذلة التي احتوت عليها أعماله القصصية المنشورة في سنة 1956، « قدر إنسان» إلا أن شولوخوف، ظل، كما هو من الشخصيات البارزة من حيث التسلسل في هرم المشهد الأدبي السوفييتي، ومن المؤيدين المخلصين للعقيدة الحزبية.
حتى أنه كان قد رافق خروشوف في إحدى جولاته الأوروبية الأميركية في سنة 1959 لكي يصبح في سنة 1961، عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي.على الرغم من أجواء الانفتاح التي يتميز بها المشهد الأدبي الروسي منذ تلاشي الحقبة السوفييتية، إلا ان ظاهرة الانقسام حول هذا الروائي لا تزال على أشدها.
في إحدى المناقشات التي عقدت بمناسبة الاحتفاء بمرور مئة عام على ولادته تصدت مجموعة من المؤرخين الأدبيين والكتاب الصحافيين البارزين للنيل من الروائي المشهور الفائز بجائزة نوبل 1965، من بينهم المؤرخ المنشق وروي ميدفيديف أحد أهم المشككين في شولوخوف والناقد الأدبي ليف كولودني، الذي صدر له كتابان للدفاع عن شولوخوف ضد من يتهمونه بالانتحال تلك الشكوك التي ظلت تلاحقه طوال حياته الإبداعية.
حيث ما يراه الأخير هو أن أياً من أعماله السابقة أو اللاحقة لم تكن مطابقة لهذه الشكوك التي أعطيت في النهاية مصداقية غير منطقية في سنة 1974 بنشر كراسة تحتوي على آراء مؤيدة للفرضية الشائعة القائلة بأن رواية «الدون الهادئ»، ما هي إلا رواية كتبها في الأساس المؤلف القوزاقي والضابط الأبيض، فيودور كريوكوف، كما تؤكد مقدمة الكاتب المنشق الكساندر سولزهينتسين.
يقول كولودني «الحقيقة أنها مجرد فرضية لا أساس لها من الصحة. إن كل من المقدمة التي احتوت عليها الكراسة والصور العائلية التي عرضها المؤلف هي التي خلقت نوعاً من التأثير العاطفي الذي يصعب إزالته من نفوس الآخرين. في حين عبر ميدفيديف عن شكوكه تجاه رواية شولوخوف في كتابه الصادر سنة 1977 « مشكلات السيرة الأدبية لميخائيل شولوخوف «.
بينما ترتبط هذه الشكوك في الغرب بعدم الاقتناع بأن مؤلف هذه الرواية هو مجرد شاب في الثانية والعشرين من عمره في الوقت الذي يظهر فيه العمل بمستواه الإبداعي الضخم.يضيف ميدفيديف « الحقيقة أن من الصعب عليك أن تصدق أن هذا الشاب الذي لم يكمل تعليمه بالفعل هو الذي كتب تلك الرواية التي ينظر إليها على أنها من أهم ما كتب من أعمال روائية خلال القرن المنصرم..
فحتى أولئك المقربين من شولوخوف لا يمكنهم أن يتعاملوا مع هذه المتناقضات بسهولة». ورداً على أسئلة أثيرت في مؤتمر صحافي وجهت فيها الانتقادات إلى كتابه الذي وصف البعض موضوعاته بالسطحية في تناولها لهذه الإشكالية أجاب ميدفيديف بأنه كان قد تعمد نشر هذا الكتاب لكي يكون بمثابة الاحتجاج الموجه إلى جهاز الاستخبارات السوفييتية المركزية، كي جي بي، الذي كان يمارس نوعاً من الضغط على أفكاره إضافة إلى مصادرة أعمال سبق له نشرها نتيجة لقيامه بأنشطة مناهضة.
من جانبه يتصدى كولودني، وهو صحافي وناقد قديم، لهذه الإشكالية من خلال موضوعاته التي سبق له نشرها حول «الدون الهادئ» بالإشارة إلى أن هذه الرواية تستحق الإشادة بناءً على ما توصل إليه من استنتاجات في أعقاب العثور على المخطوطات التمهيدية لها،
الأمر الذي أزال لديه الشكوك العالقة حول شولوخوف وبرهن على أنه المؤلف الحقيقي لهذه الرواية. والواقع أن غياب تلك المخطوطات الأصلية كان، كما يؤكد كولودني، قد أسهم بشكل كبير في تشويه صورة مؤلفها على نحو ما فعلته العديد من الدراسات التي تناولت رواية «الدون الهادئ».
يعقب كولودني على ذلك بقوله «إن لدي ما يثبت بالتأكيد أن شولوخوف هو مؤلفها الحقيقي وهو العثور على عدد كبير من المخطوطات التي كان قد كتبها بنفسه والتي لم تكن من بينها نسخ منقولة من مصادر أخرى غير مكتوبة بخط يده. لقد اجتمعت لديه تلك الذاكرة القوية والذكاء اللغوي الفطري الذين مكناه من كتابة هذا العمل الروائي الضخم وهو ما يدحض فكرة الانتحال».
على هامش الفعاليات الكثيرة التي أقامتها روسيا بمناسبة الاحتفال بمئوية شولوخوف تأتي بعض البرامج التلفزيونية الجماهيرية التي تهدف إلى مخاطبة قطاعات أكبر من الناس ومن بينها فيلم وثائقي يحمل عنوان «الكاتب والزعيم» أجازته السلطات الروسية.
في هذا الفيلم يسلط الضوء على أجواء من المناقشات السياسية العنيفة كانت قد عصفت بالرواية وحالت دون نشر الجزء الثالث منها على خلفية ما تضمنته بعض أجزائها من تعاطف قوي مع بطلها، أحد أبناء الشعب القوزاقي المناهضين للسلطة السوفييتية، وكان شولوخوف قد أضاف تلك الجزئية من روايته إلى جزئية أخرى، إلى إيطاليا، تهدف إلى الحصول على الدعم من مواطنه السوفييتي «مكسيم غوركي» عميد الأدب الروسي في تلك الأثناء لا لشيء إلا لكي تحول نشرها.
إذ أن ذلك لم يتحقق إلا بعودة غوركي وتأمينه لقاءً خاصاً بين كل من شولوخوف وستالين. كجزء من مشروع ضخم، ينتظر أن تلي، الفيلم الوثائقي، الكاتب والزعيم، مجموعة من الأفلام الوثائقية التي تكشف النقاب عن العلاقات الشائكة التي ربطت بين شولوخوف وبين غيره من المبدعين الآخرين من أمثال مكسيم غوركي وكورني تشكوفيسكي، والزعماء السوفييت الذين حكموا في تلك الفترة. بالإضافة إلى فيلم آخر يوثق لحياته تحت عنوان «الغموض الذي يحيط برواية الدون الهادئ» من المنتظر أن يتم عرضه العام المقبل.
فيكتور سونكين
ترجمة: مريم جمعة فرج
عن: موسكو تايمز