التقيت بها ذات صباح، في قطار الضواحي. كانت تجلس مع رفيق الطفولة. عبدالهادي. قدمها لي قائلاً: آمال زميلتنا في العمل. ابتسمت وهي تحني رأسها قليلا للأمام، وأشار نحوي بحد يده واستطرد: أقدم لك أحد أبطال موقع كبريت، ظل محاصرا طوال ستة اشهر !!
هيه.. تنهدت. نكأ الجرح القديم. بدأ الألم يعاودني في ساقي اليمنى، عدت من الحرب أحمل عجزي إثر إصابتي أثناء الثغرة. أهلا بعودة الأبطال. السيد المحافظ يشد على أيادينا ويقدم لكل واحد منا شهادة خدمة حرب، تقديرا على على الصمود أثناء القتال. الشهادة بليت مع الأيام الصعبة وظلت الجراح تنكأ، كلما تلاشت في حفائر النسيان.
آمال، لم تفارقني، مازلت اذكرها وهي تخفي شعرها الأسود الغزير وراء غطاء أزرق شفيف، لايعتم ولا يكاد يبين، يواري أطرافه بياض الوجه الصبوح.. لكنني عندما انتقلت إلى المقعد المجاور، أصبحت وجها لوجه معها. توقفت نظراتي واستقرت على جانب الوجه، لمحت بقعا متناثرة على الجلد الأبيض الرقيق، ذكرني بحروق قنابل النابالم التي القتها طائرات الميراج ونحن نهيم على وجوهنا في صحراء التيه، أيام الهزيمة والإنكسار!!
وبحاستها كأنثى أدركت أنني أدقق النظر في البقع التي تبدو واضحة. بهدوء حاولت إخفاءها بيدها اليمنى، فإذا بها بعض البقع التي أكلت البشرة الرقيقة الناعمة. بدأ سؤال يدور في صحن رأسي كالجرذ الذي يحاول الفرار من المصيدة. ومع ذلك لم أحاول طرحه عليها، سؤال قاس ومؤلم، ربما يفتح الجراح التي تنام كالهداهد في صدرها.
لم أجد في داخلي الشجاعة لطرح السؤال المؤلم. حولت نظري سريعا إلى المساحات الخضراء التي تتحرك بسرعة للوراء والقطار ينهب الأرض ويصفر عاليا.. لاحظ عبدالهادي صمتي وارتباك آمال، فقال لي :آمال، مهجرة من القنطرة شرق.. هل كان يعرف ما يدور في ذهني ؟!
صمت برهة، ابتلع ريقه واستكمل بهدوء كأنما يجيب عما في أعماقي :هي الآن مستقرة في الأسكندرية. وتسافر يوميا معنا إلى «أبوقير».. وصمت. لم أعقب أنا أو أسأل، عدت من حرب إلى حرب. خدمت بالجبهة طوال أربع سنوات، ومعي شهادة خدمة ميدان... قاطعني الجالس على المكتب الكبير ساخرا :وأعرف بأنكم عبرتم..
ومازالت الأحداث الأليمة المحزنة تنام في الذاكرة. ياهلا بعودة الأبطال. صدورنا مفتوحة لكم. وهاهي أكاليل الزهور في انتظاركم. رددت عليه بضيق :وأنتم هبرتم.. صرخ في وجهي :أخرج من مكتبي.. آمال، مازلت أذكرها، هي حلمي العسير المنال، في أصعب اللحظات، لم أنسها.. قال المحقق الشاب بهدوء :أنا أقدر ظروفك.. و..
وما عانيته خلال فترة الحصار، لكن القانون لايعرف المشاعر، وبدون القانون تعم الفوضى، وهي شر ووبال على الجميع، أكثر من الحرب التي شاركت فيها.. وهز رأسه وصمت. ثم قال في عبارة مقتضبة وأخيرة :أنت موقوف عن العمل، لحين الانتهاء من التحقيق..
أيها المحارب العنيد، كنت تحلم بحياة جديدة، مدينة مثالية، في الواقع وليست في خيال أفلاطون. لكن يبدو أن الواقع شيء ومايجب أن يكون شيئاً آخر. فالحرب لم تغير شيئا من نفوس البشر !!. الآن.. الهزيمة جاءتك من الداخل، وليست من الخارج. جاءت من الميدان الذي لم تكن تتوقع أن تأتي منه !!.
اعترف بهزيمتك، الأيام القادمة ستكون أقسى على النفس والبدن من حرقة النابالم. ارفع الراية البيضاء واستسلم ولاتناور. إنها الحرب الأخيرة، الحرب الأخيرة. قلت وأنا اصلب قامتي جيدا :سأترك عملي بلا رجعة، فلم أعد قادرا على الحرب مرة أخرى، بساق عاجزة..
جاءت محطة النزول، نظرت آمال نحوي بحزن، ربما لاحظت أنني لا أقوى على ثني ساقي اليمنى، أثناء الجلوس. قامت وأشارت بيدها تحييني قبل مغادرة القطار. عبدالهادي صافحني وهبط خلفها وأنا اتابعها من وراء زجاج النافذة.. وتاهت بين الزحام..
عبدالستار خليف