يرى الشاعر والناقد اللبناني عبده وازن أن الشعر لم يعد مقتصراً على المكان، أي بمعنى أنه لم يعد هناك مدينة تسمى مدينة الشعر، مثلما كان يطلق سابقاً على بيروت، أو بغداد، أو على أية عاصمة أخرى.. فالشعر صار ملك أجيال، ملك حركات شعرية تتوزع العالم العربي كله، ودول الخليج تأتي ضمن هذا التوزع، حيث هنا شعراء ينتمون إلى حركة شعرية عربية، شعراؤها يمتدون من العراق إلى سوريا إلى فلسطين إلى مصر إلى المغرب، وإلى الخليج.
وإطلاق صفة «الخليجي» على الشعر ليست كافية لتستوعب التيارات والمدارس والأساليب ... هناك شعراء إماراتيون وشعراء بحرينيون وسعوديون ... مهمون يساهمون في بلورة التيارات الشعرية العربية، وإن كان الشعراء في دول الخليج بحاجة إلى المزيد من التمرس في اللعبة الشعرية، فإن هناك أيضاً أصواتاً شعرية حديثة ومهمة تمتلك ثقافة ووعياً، ولم تعد تتكئ فقط على الفطرة والموهبة.
في حوار له مع «البيان» قال الشاعر اللبناني عبده وازن إن جيل التسعينات أتى بعد المعطيات التي رسختها مجلة «شعر» وشعراء السبعينات والثمانينات الذين كانوا ورثة جيل الرواد، ولكنه ـ أي جيل التسعينات ـ جاء من منحى آخر، ومن معطى ثقافي آخر وحياتي آخر، كونه عاش الحرب في معناها الملموس والمحسوس، أي هناك شعراء كانوا مقاتلين، حملوا البنادق، ودافعوا عن قناعاتهم، عاشوا الحرب خارج بعدها الأيديولوجي، على خلاف شعراء الثمانينات والسبعينات،
جاؤوا إلى الحرب بشكل عبثي، أو عدمي، أو انتحاري، لذلك أنبتوا قصيدة جديدة، بلغة جديدة وتجربة جديدة، وتعابير قائمة على نقض الفصاحة والبلاغة وسلامة اللغة، كتبوا بلغة يومية عادية، وأحياناً بلغة ركيكة، لغة الشارع .. ومع ذلك هؤلاء الشعراء استطاعوا أن يفرضوا سمات جديدة على الشعر اللبناني والعربي، ولكن لم تكن هذه السمات كافية لتجعل من شعريتهم شعرية راسخة،
ولم تمضِ فترة من الزمن حتى اكتشفنا أن هؤلاء الشعراء يحتاجون إلى إعادة النظر في تجربتهم وقصائدهم.. «كلهم؟!» بعضهم استطاع أن يطور تجربته وبعضهم توقف ولم يكمل التجديد والتحديث، وبشكل موجز، الصفة العامة التي يمكن إطلاقها على هؤلاء الشعراء هي نقض التجربة السابقة لهم ونقض التجربة الشعرية بمعناها الشامل،
واللافت أن جزءاً كبيراً منهم لم يكن لديه همٌّ ثقافي، كان همّه فقط أن يعبر عن تجربة الحرب التي عاشها بتعبير مباشر، واستخدام مفردات لم يستخدمها الشعراء الذين قبلهم، ولا يمكن حصر الحركة الشعرية لدى هؤلاء فقط، لأن شعراء السبعينات والثمانينات مازالوا مستمرين في عطائهم، وحتى شعراء مجلة «شعر» مازالوا يكتبون.
* السؤال الصعب
قادنا الحديث عن الحركة الشعرية إلى السؤال الصعب الذي طالما وجهه وازن لمن حاورهم من الشعراء: «ماذا يعني لك الشعر؟» فأكد بدوره على أنه فعلاً سؤال صعب والإجابة عنه ليست سهلة، وقال: «الشعر هو أجمل شيء في الحياة، ولكن علينا أن نفهم ما هو الشعر، الشعر بحسب فهمي يقوم على لحظتين، اللحظة الجمالية واللحظة المعرفية، وحين أقول معرفية لا أقصد البعد الذهني والبعد الفكري فقط، بل البعد «الحدسي» لأن الشعر يحدس بالأشياء،
وربما يستبقها، يستبق حركة الزمن، ومن هنا ارتبط الشعر لدي بالبعد الميتافيزيقي، وأحياناً يميل إلى الديني، ولكن في المفهوم المطلق، وهنا تحضرني جملة قالها هايدغر: «إن من الواجب على الشاعر أن يمتلك خلفية دينية» وحين أقول الدين لا أقصد الطائفية، ولا أقصد المذهبية،
وإنما أقصد دينية الشاعر، فالشاعر أشبه بالكاهن أو برجل الدين الذي يأتي بمعرفة جديدة تنطلق من اختياره الذاتي للأشياء والأفكار.. أما اللحظة الجمالية، فهي لحظة ضرورية في القصيدة لأن الشعر هدفه أن يتسامى بالحقيقة، وأن يرتقي بها إلى مصاف الجمالية الباهرة، فالشاعر يجب أن يبشر بالجمال، الجمال الروحي، وليس فقط الجمال الخارجي والشكلي».
وعما إذا كان ثمة تعارض بين الفهم الديني المطلق الذي تحدث عنه الشاعر عبده وازن، وبين فهمه للتصوف من خلال شغله على الحلاج.. أوضح وازن أن ما دفعه إلى نشر ديوان الحلاج كاملاً وبمقدمة مطولة هو أنهم عاشوا خلال الحرب اللبنانية مآسي كثيرة، ارتبط بعضها بالدين أو بالطائفية، وسقط الإنسان جراء ذلك ضحية هذا الجهل أو هذه الغرائزية التي تفاعلت في النفوس وأثارت الضغينة، على عكس الدين الذي غايته جمع البشر وسعادة الناس،
وحافز لهم على تخطي مشاكلهم الزمانية والحياتية.. أصبح الدين في معناه الطائفي حافزاً على القتل، وهذا ما دفع الشاعر وازن للبحث عن معنى آخر للدين، وقد وجده ـ كما يضيف ـ في التصوف، سواء التصوف المسلم أو المسيحي أم التصوف البوذي. فبالنسبة للشاعر الأديان واحدة، وهذا ما علمه إياه ابن عربي والحلاج الذي اعتبر أن الأديان هي فروع تنطلق من جذع واحدة.. من هنا جاء وازن إلى الصوفية كحاجة،
ولم يأتِ إليها كحل شعري مثلما فعل البعض حين لجأوا إلى النّفري وغيره، وأخذوا منهم المصطلحات والمفردات، ليجدوا أو ليفرضوا نوعاً من السمات الجديدة على القصيدة الحديثة كما فعل «أدونيس» الذي يعد من أوائل من تحدث عن النفري في الفترة الحداثية.
وأكد وازن أنه يكتب شعراً صوفياً لكن لا علاقة له بالمعجم الصوفي أو بالمصطلحات الصوفية، وأن هذا الاستخدام يعيق الشاعر نفسه لأن الشعراء القدامى كانوا يلجأون لهذه المصطلحات لكي يخفوا ما يريدون قوله أو الإفصاح عنه مباشرة.
* النقد والإبداع
حماس الشاعر عبده وازن للنقد، وشغله في الصحافة وجمعه بين النقد والإبداع أدخلنا في نقاش جديد ميّز فيه وازن بين نوعين من النقد، النقد الأكاديمي العلمي الذي يفترض من القائمين عليه أن يشتغلوا على النظريات النقدية ويقدموا كتباً جديدة وينشئوا أبحاثاً ودراسات معمقة..
والنقد الصحافي الذي مهمته أن يواكب الحركة الأدبية ويسلط الضوء على ما هو جديد، ولكن ليس المطلوب منه أن يكون علمياً، مع أنه يستطيع الاستفادة من النقد العلمي، ولكن عليه أن يوظفه بشكل غير مباشر، لأن قارئ الصحيفة غير قارئ الكتاب.
وعن إمكانية الجمع بين حيادية وموضوعية الناقد وإبداع الشاعر قال وازن: «أعتقد كل الاعتقاد أن الشاعر إن لم يكن يضم في ذاته ناقداً، لا يستطيع أن يكون شاعراً مجلياً، لا يستطيع أن ينجح في الشعر إذا غابت عن حدسه معرفة النقد، النقد ضروري جداً للمبدع، ولا أقصد هنا أن يكون الشاعر ناقداً بالمعنى الحرفي،
ولكن عليه أن يمتلك ذائقة الناقد كي يستطيع أن يتفرد بشعره، وبشعريته، وهذا ما ألح عليه الكثيرون من الشعراء في العالم والعالم العربي، هناك شعراء كثيرون كتبوا النقد واستطاعوا من خلال معرفتهم النقدية أن يطوروا لعبتهم الشعرية، وأن يُعملوا ذائقتهم النقدية على انفسهم قبل أن يعملوها على النصوص التي يقرأونها..
وفي هذا العصر الجديد، عصر الحداثة وما بعد الحداثة، لم يعد الشاعر قادراً على أن يكون فقط شاعراً، أي أنه لا يملك حساً نقدياً، وإلا كيف عليه أن يدرك كنه المعرفة الشعرية إذا لم يكن يملك على الأقل ذاك الحس النقدي. وبالنسبة لي ساعدني النقد كثيراً على دخول عالم الشعر وعلى بلورة المفهوم الشعري،
وعلى تطوير تجربتي الشعرية ومراقبتها ونقدها، وفي الوقت ذاته ساعدتني ذائقتي الشعرية الخاصة بممارسة العملية النقدية في عملي الصحافي.. وما نأخذه على الكثير من النقاد في الوطن العربي، أنهم لا يمتلكون ذائقة المبدع فيتعاملون مع النص كما لو أنه جثة، أو شيء بارد لا علاقة جمالية أو روحية بينه وبينهم..».
وكون عبده وازن يجمع بين الشاعر والناقد والمترجم أيضاً، أكد أن الترجمة الشعرية مهمة للشاعر، فحين يأتي ليعيد كتابة نص أجنبي إلى لغته العربية، لا يقوم بمجرد نقل لغوي، بل هناك نقل لروح النص، ومن ثم العمل على تقنية النص نفسه.. وحين يقوم الشاعر بترجمة النص، يبدو كأنه ناقد يعيد النظر في بنية هذا النص..
كيف بناه مؤلفه في الأصل، كيف استخدم المفردات والجمل، كيف سعى إلى التعبير عما يريد ... هذا العمل يضيف إلى تقنية الشاعر المزيد من المعرفة، وهنا تكمن أهمية الترجمة التي يقوم بها الشاعر نفسه، ولذلك لا يستطيع أن يترجم الشاعر إلا شاعر مثله لأن الترجمة فعل معرفة وعمل إبداعي.
محمود أبو حامد