لن أتخلى عن عشقي الأول في الدفاع عن الشعر. بهذا التصريح اختتم هارولد بينتر حديثه مع الـ «بي. بي. سي» في مارس الماضي، ولكنه قبل ذلك أعلن اعتزامه ترك عالم المسرح والاتجاه إلى معترك الحياة السياسية وتكريس جهوده للدفاع عن القضايا التي يؤمن بها.وكان بينتر (75 عاماً) قد تعرض لانتقادات من قبل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بسبب موقفه المناهض لتورط بلاده في الحرب على العراق.
ومع إعلان الأكاديمية السويدية عن فوز المسرحي البريطاني هارولد بينتر بجائزة نوبل للآداب 2005، خابت آمال المراقبين الذين وضعوا على الخارطة مجموعة أسماء بينهم فيليب روث الأميركي وأدونيس السوري وباموق التركي.. ولكن العشرة ملايين كرونة سويدية ذهبت إلى حساب مسرحي وناقد وشاعر بريطاني لم يكن على اللائحة، ولم يكن ضمن توقعات المراقبين.
وقد فوجئ بفوزه بالجائزة حسب مدير الأكاديمية السويدية هوراس انغدال الذي اتصل بالكاتب بعد ظهر أول من أمس (الخميس) وقال إنغدال إن المسرحي العجوز لم يستطع الكلام بعد إبلاغه الخبر.يعتبر هارولد بينتر الكاتب المسرحي المناهض للمؤسسية والناشط السياسي أحد أعظم كتاب المسرح الذين هم على قيد الحياة في بريطانيا.
وتنقل بينتر الراديكالي ـ الذي لم يخف يوما من التعبير بصراحة عما يدور في ذهنه ـ بين المسرح والسينما، منتجا الكلاسيكيات لكليهما. إلا أن بينتر في أحد الأمثلة على غزواته «للأراضي البكر» احتفل بعيد ميلاده الخامس والسبعين بإنتاج «الأصوات» وهي مسرحية إذاعية درامية غنائية أنتجها بالتعاون مع المؤلف الموسيقي جيمس كلارك.
وأعلن بينتر في أوائل الأسبوع الحالي انه سيمثل في مسرحية «كرابس لاست تييب» لصامويل بيكيت للاحتفال بالذكرى الخمسين على تأسيس مسرح البلاط الملكي في لندن الذي عرض العديد من مسرحياته. وبينتر ممثل وشاعر ومخرج أيضا بدأ مشواره الأدبي عام 1957 بمسرحية «الغرفة». وتشتهر مسرحيات بينتر بالوقفات الباردة المخيفة التي تسببت في حصوله على العديد من الجوائز.
غير أنه من المعروف عنه بأنه لا يقبل بالحلول الوسط فيما يتعلق بمعتقداته السياسية. فقد رفض عرض رئيس الوزراء البريطاني السابق جون ميجور بمنحه لقب الفروسية وكان من المعارضين المفوهين الرافضين للحرب على العراق. وكان يصف رئيس الوزراء توني بلير بأنه «أبله خادع» والرئيس الأميركي جورج بوش بأنه «سفاح».
وتميز عمله الأول «الغرفة» بالعديد من العناصر التي اتسمت بها أعماله التالية ـ مثل موقف عادي يستثمر بشكل ينذر بالخطر والغموض من خلال غياب متعمد لتفسير ما أو لأحد دوافع العمل. وبزغ نجم بينتر عندما ألف مسرحيات «الوكيل» و«العودة» و«الخيانة» والتي تعد علامات فارقة في تاريخه الفني. وشارك بينتر في كتابة مسرحيات تلفزيونية مثل «الحادث» و«الخادم» والتي تعد من كلاسيكيات السينما البريطانية.
وتحدث بينتر مع الصحافيين الذين تجمعوا أمام باب منزله وإحدى عينيه معصوبة قائلا إنه سقط على الأرض.
وكاتب المسرحية البريطاني الذي يصارع مرض السرطان «منح عالم الدراما مواد أكثر من رائعة للعمل بها»، بحسب وصف الأكاديمية السويدية.
وفي تصريحاته للإذاعة السويدية، قال بينتر إنه «مرتبك وعاجز عن التعبير» عقب سماعه نبأ فوزه. وقال بينتر «أنا مرتبك جدا وعاجز عن التعبير. لم يكن لدي أي فكرة. لم املك وقتا للتفكير بشأن الأمر. لقد أثارت (الجائزة) مشاعري بشكل بالغ كما أثارت دهشتي». وكان الكاتب البريطاني قد صرح عقب تأليف 29 مسرحية إنه يرغب في التركيز حاليا على السياسة والشعر.
وبدأ بينتر الذي احتفل بعيد ميلاده الخامس والسبعين في 10 أكتوبر الجاري مشواره الأدبي عام 1957 بمسرحية «الغرفة». ومن بين المسرحيات التي كتبها في مطلع مشواره الأدبي مسرحية «حفلة عيد الميلاد» عام 1957. وبزغ نجمه في عام 1959 حيث كتب مسرحية «الوكيل» ومن أشهر أعماله مسرحية «العودة» في عام 1964.
ووصفت الأكاديمية السويدية بينتر بأنه أبرز كتاب الدراما البريطانيين في النصف الثاني من القرن العشرين.
وقال بينتر الذي ولد لأب يهودي يعمل حائكا للملابس في بلدة هاكني شمال لندن إن معاداة السامية التي لاقاها منذ أن كان طفلا كانت عاملا أساسيا في قرار بأن يصبح كاتبا.
وجاء الإعلان عن فوز بينتر بالجائزة كمفاجأة للكثيرين حيث لم تجر الإشارة إليه خلال الفترة السابقة على قرار لجنة التحكيم. وكان في. إس نايبول آخر بريطاني يفوز بهذه الجائزة في عام 2001. والجائزة قيمتها 10 ملايين كرون (1,3 ملايين دولار) ومنحت في العام الماضي للكاتبة المسرحية النمساوية الفريد يلينيك.
وقام مهرجان مسرح دبلن بمناسبة بلوغ بينتر الـ 75 من العمر بعرض سلسلة من المشاهد التمثيلية والأفلام والندوات وعرض مسرحيتين من أعماله في مسرح الجيت (البوابة). وأقيم في نهاية الاحتفال مأدبة عشاء حضرها بينتر والعديد من الشخصيات البارزة في عالم المسرح البريطاني والايرلندي من بينهم مايكل جامبون وجيرمي أيرونز وستيفان ريا وسينياد كوزاك.
وقال بينتر «يحتاج رجل في الخامسة والسبعين إلى بعض العاطفة ومن اللطيف أن يأتي ذلك من دبلن..لقد تحركت مشاعري لوجود العديد من الفنانين الذين عملت معهم في الماضي». وكانت بريطانيا قد تجاهلت الاحتفال بعيد ميلاد الكاتب المسرحي.
وبموازاة نشاطه الإبداعي الذي أعطى 29 مسرحية بحسب موقعه الرسمي على الانترنت، التزم هارولد بينتر في الدفاع عن حقوق الإنسان منذ مطلع السبعينات حيث استنكر الانقلاب الذي أطاح بالرئيس التشيلي سلفادور الليندي في 1973 .
وفي الثمانينات وجه انتقادات لاذعة إلى الرئيس الأميركي رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارغريت تاتشر.
وحمل بشدة أخيرا على تدخل الأمم المتحدة في كوسوفو (1999) وعلى الاجتياح الأميركي في أفغانستان (2001) والحرب على العراق (2003). وهذه عاشر مرة منذ تأسيس جائزة نوبل للآداب تمنح هذه الجائزة إلى كاتب بريطاني. ومن ابرز الفائزين البريطانيين بها حتى الآن روديارد كيبلينغ (1907) وونستون تشرشل (1953) واف اس نايبول في 2001.