تفصح تجربة الكتابة السردية عند الروائية الفلسطينية، سحر خليفة عن انشغال وثيق ومتداخل بالهم الفلسطيني العام، والهم النسوي للمرأة الفلسطينية بصورة خاصة، فهي عندما تقارب الموضوع الفلسطيني في الأرض المحتلة، تنطلق من وعي بالمعاناة العامة أولاً، وثانياً بالمعانة المركبة التي تعيشها المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال كغيرها من الفلسطينيين الآخرين، ثم كامرأة تعاني من الاضطهاد والقمع الآخر، المتمثل في قمع السلطة البطريركية الأبوية في المجتمع الذكوري، الذي يضاعف من معاناتها وشقائها.
أهمية الروائية خليفة، لا تتأتى من اتساع زاوية الرؤية، وقدرتها على فهم الواقع وتحليل بنية علاقاته الاجتماعية والسياسية وحسب، بل ومن خلال ما قدمته من أعمال تميزت بلغتها السردية الحكائية الخاصة، وبمنظورها السردي المتعدد، وتحفيزها الواقعي المتأتي من رغبتها في تأكيد واقعية السرد من خلال استخدام القيم الواقعية المعاصرة، إضافة الى تعدد أساليب السرد وصيغ الخطاب المسرود، وسعيها الدؤوب لإغناء هذه التجربة، وتعميق انفتاحها على الواقع الفلسطيني، وتمثل أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية.
وعلى الرغم من أهمية المنجز الروائي الذي قدمته حتى الآن، فإنها تفضل الابتعاد عن الأضواء، والتحدث عن هذا المنجز، كما أنها تعمل باستمرار على الانغماس في قضايا الواقع، وهموم الناس من خلال عملها في مركز الدراسات الاجتماعية التابع لجامعة بير زيت، والمختص بقضايا المرأة الفلسطينية، وقد بدا ذلك واضحاً في عرضها لواقع هذه المرأة في أعمالها المختلفة، وطرح هواجسها وأشكال معاناتها الصعبة، دون أن تلجأ إلى تنميط شخصياتها
، إذ انطلقت في منظورها السردي من رؤية موضوعية، حاولت فيها أن تقدم شخصيات حياة، تمتلك سمات القوة والضعف، الصدق، والخيانة، الحب والكراهية، وإذا كانت هذه الرؤية تسعى إلى تأكيد واقعية السرد أو الإيهام به، فإنها عن معرفة حقيقية وواسعة بقضايا المرأة ومكابداتها الحياتية وإشكالية البحث عن حريتها وحقوقها الضائعة.
وبقدر ما تشكل هذه التجربة منحاها الخاص، وعالمها السردي الخاص، فإن قراءة هذا المسار، والتوقف عند مدلولاته، لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن قراءة المسار الذي اتخذته حياة الكاتبة، إذ إن ثمة اتصالاً وثيقاً بين العالمين، وبين شخصياتها النسوية في عدد من أعمالها لا سيما روايتها مذكرات امرأة غير واقعية، وبينها، فقد اعتمدت هذه الروايات على الجانب السيري في تشكيل عالمها السردي والحكائي، وفي بناء شخصياتها وتقديم وطرح معاناتها الاجتماعية والسياسية في واقع لا يزال يعمل على استغلالها وقهرها.
تزوجت سحر خليفة في عمر مبكر لكن هذا الزواج المفروض لم يدم طويلاً وبدلاً من تنكفئ على ذاتها، وجدت في ذلك فرصة لاستكمال تعليمها الذي حرمت منه، فحصلت على شهادة البكالوريا، ودخلت الجامعة ثم تابعت دراستها العليا في الجامعات الأميركية، وتخرجت فيها بشهادة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية وإثر عودتها إلى بلادها سارعت إلى العمل في مجال اختصاصها، في مراكز البحوث الاجتماعية المهتمة بوضع الفلسطينية،
وخلال عملها وجدت أن المعرفة النظرية لا يمكنها أن تقدم المعرفة الحقيقية لحل مشكلات الواقع، إذ ثمة فجوة بين الجانب النظري والممارسة الفعلية في الواقع، وقد عبرت عن ذلك إحدى بطلات روايتها عباد الشمس، الشخصية المثقفة، التي راحت تشكو لصديقتها بمرارة في لقاء مكاشفة عجزها عن التعاطي الواعي مع المشكلات التي تواجهها في حياتها الزوجية، لأن الثقافة والمعرفة شيء، وكيفية توظيفها عملياً شيء مختلف تماماً.
وكما قدمت الروائية شخصيات أنثوية هي مزيج من الكبرياء والضعف، والخيانة والحب والحسية والعفة، فإنها لم تختلف عن ذلك في بنائها لشخصياتها الذكورية أيضاً، رغم تأكيدها على معاناة المرأة المزدوجة في الواقع، وبذلك حررت هذه الشخصيات من الوقوع في التنميط، والإسقاط الأيديولوجي الذي يجعلها أسيرة مواصفات ملازمة تحدد سلوكها وسماتها وتصادر بالتالي تحولاتها وتناميها كشخصيات حية هي مزيج من القيم والمواقف ، تؤثر في الواقع كما تتأثر به، وتضعف أمامه كما تضعف أمام نزواتها، والعكس صحيح أيضاً.
وعندما نتحدث عن شخصيات أعمالها الروائية لا يمكن أن يتحدد هذا الحديث بالشخصيات الرئيسية، التي تمثل أبطال رواياتها، بل هو يتجاوز ذلك إلى شخصياتها الفرعية، التي لا تقل أهمية حضورها، ودلالات أفعالها في الرواية عن دور الشخصيات الرئيسية، فهذه الشخصيات الفرعية، التي يستدعيها وجود الشخصيات الرئيسية تتميز بأنها شخصيات عميقة،
لأنها رغم مظهرها السلوكي المناقض، تكشف في أعماقها عن أصالة حقيقية، وعن موقف شجاع وصدق وإخلاص تعجز الشخصية الرئيسية، التي تتميز بالجد والتماسك والقوة عن مجاراتها في ظروف معينة خوفاً من المجتمع، أو بتأثير الواقع كما هو الحال بالنسبة لشخصيتي خضرة المرأة المستهترة والعبثية وأمينة المرأة الأرملة التي حملت عبء إعالة أفراد أسرتها بشجاعة واقتدار،
ففي موقفين مختلفين في رواية عباد الشمس، تظهر خضرة وجهاً مختلفاً ومغايراً لشخصيتها الظاهرة عندما تهاجم الحارس العسكري في سجن التوقيف وتحاول إنقاذ زميلتها أمينة، التي يمنعها خوفها من إنجاح خطة الهرب وبالتالي، تجعل خضرة تدفع ثمناً غالياً عند اكتشاف هذه المحاولة، أما الموقف الآخر الذي تصمت فيه أمينة ولا تدافع عن خضرة فيه، فهو عندما تهاجمها نساء الحمام البلدي في نابلس ظناً منهن أنها جاسوسة لكونها غريبة، وذات مظهر مستهتر يثير الريبة.
عبر أعمالها الروائية العديدة، طرحت جوانب عديدة من معاناة المرأة وهمومها وقضاياها الاجتماعية والسياسية، وكشفت عن شجاعة ووعي بعلاقة المرأة بالمقاومة والثورة، وهو وعي لا يعزل هذه العلاقة بالنسبة للمرأة الفلسطينية، عن سياقها العام الذي يكشف عنه وضع المرأة داخل الأحزاب والثورات التي حملت لواء تحرير المرأة ومنحها حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكاملة،
في حين أن هذه الوعود ظلت لمجرد استخدام دور المرأة في إنجاح مشاريعها وتحقيق غاياتها، ولذلك ما أن انتصرت هذه الثورات حتى تنكرت لوعودها، وأعادت المرأة إلى وضعها السابق، الذي كانت عليه. ولعل الحوار الذي تقدمه رواية مذكرات امرأة غير واقعية في قسمها الأخير بين بطلة الرواية عفاف وصديقتها المنتمية إلى أحد الأحزاب اليسارية ما يدلل على هذه المفارقة القاسية، التي اكتشفتها المرأة بعدما قدمته من تضحيات،
والتي زادت من وعيها الاجتماعي بحقيقة وضعها كامرأة في مجتمع ذكوري، لا يستطيع أن يتخلى عن امتيازاته ومكاسبه، في الوقت الذي شكل فيه مرجعية لكل هذه الأحزاب والثورات، التي لم تنه وضع المرأة الدوني، ولا التمييز بينها وبين الرجل، ولم تخرجها من الظلمة إلى نور الحرية كما تقول بطلة الرواية بمرارة.
إن طرحها لأسئلة المرأة في واقع يواجه تحديات مصيرية كالواقع الفلسطيني لم يمنعها من طرح أسئلة الواقع المعقدة والشديدة الالتباس، وكانت جرأتها واضحة في الطرح والتناول سواء من حيث تقديم شخصياتها المتنوعة والغريبة، أو من حيث الوقائع والأحداث، التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بتبدل هذه الشخصيات وتحولاتها وتناميها،
الأمر الذي أدى إلى خلق التوتر النابع من هذا الطابع الدرامي القائم على التناقض بالنسبة لهذه الشخصيات، ويمكن الإشارة إلى هذه السمة المميزة لحركة السرد وعالمها الروائي من خلال شخصية بطل روايتها قبل الأخيرة أيقونة وعهد جديد، إذ يتحول من الحب الشديد إلى النسيان ثم العودة لاستعادة هذا الحب بعد أن اكتشف أن الثراء والجاه لا يمكنه أن يؤمن له السعادة والفرح، ولذلك يعود إلى الضفة الغربية بحثاً عن تلك المرأة التي أضاعها، والتي لم تغفر له ذلك،
ولا شك أن هذه الرواية في بنيتها السردية والحكائية تحمل دلالات واقعية ورمزية في الآن معاً، وبالتالي فإن قراءتها، وإدراك دلالاتها لا يمكن أن يتحقق خارج إطار هذا التراكب في المستويات النصية لعمل ابتدأت أحداثه الأولى على أرض فلسطين، وعادت لتختتم أحداثها على هذه الأرض بعد إدراكها الموجع لخساراتها، بعد أن ربحت المال، وخسرت الأرض والحب، ووجدت نفسها خاوية من الداخل، وهي تنوء تحت ثقل ميراث تاريخها، تبحث عن بداية عهد جديد.
مفيد نجم