إذا كانت معارض الفن في دمشق قد أطلت على بعض التجارب التشكيلية العربية من حين لآخر، فإنها نادرا ما احتضنت تجارب التشكيليين الأجانب، ومن هذه الزاوية بالذات تنبع أهمية معرض الفنانة التشكيلية الألمانية تاتيانا يعقوب الذي افتتحته دار المدى للثقافة والفنون مساء الخامس والعشرين من سبتمبر.
لاسيما أن هذه الفنانة قد أطلقت مبادرة «الفن من أجل مساعدة المحرومين» حيث تنوي التبرع بعشرة بالمئة من مبيعات لوحاتها لصالح الفقراء في سورية، وتدعو كل الفنانين كي يحذوا حذوها.
وتاتيانا وُلدت وعاشت طفولتها في موسكو، ثم انتقلت برفقة والديها إلى برلين وهي في الثامنة من عمرها، بجهد ذاتي تعلّمت التصوير بالألوان الزيتية، ثم درست المحاماة في جامعة هامبرغ، وزاولت مهنتها حتى صيف العام الفائت.
حيث قررت أن تهجر عالمها، وتهب نفسها للفن، اختارت دمشق - قلب الشرق- مكانا لتجربتها الجديدة، ومعرضها الحالي هو ثمرة جهدها وتأملاتها طيلة العام، وحين سألناها لماذا دمشق بالتحديد؟
قالت: هناك أسباب كثيرة دفعتني إلى القدوم إلى هنا، لكن أهمها أنني أجهل هذه البقعة من العالم، ولا أريد أن أتعرّف عليها من خلال الكتب، أو من خلال الأفكار الجاهزة التي يتداولها الغرب، أردت أن أعرف هذا البلد بنفسي، وان أسبره بحواسي.
ـ وما هي انطباعاتك بعد عام من العيش في دمشق؟
ـ تأكدت من فكرة طالما آمنت بها، وهي أن البشر متشابهون في كل العالم، وإذا كنا أحيانا لا نستطيع التفاهم فيما بيننا، فلان أحدنا لا يصغي جيدا إلى الآخر، أعتقد أن الاختلاف بيننا يأتي من السياسة والاقتصاد، أما الجوهر الإنساني فهو واحد في كل مكان.
ـ وكيف انعكست حياتنا في لوحاتك؟
ـ هنا أشعر بالارتياح، وهذا يمدني بطاقة كبيرة للرسم.
تعتمد تاتيانا الأسلوب التجريدي، وتحتفي لوحاتها بالألوان، طبقات ممدّدة ومشتقة قوامها الأخضر والأزرق والأبيض والتراب، وحين تتقاطع الألوان في مركز اللوحة، تتشكل ملامح غائمة تكسوها السكينة والهدوء، لكن حين يتدخل اللون الأحمر على شكل بقع متناثرة في الفضاء أو على شكل خطوط شاقولية، تكتسي اللوحة بالقلق والضجيج. لماذا تغيب الأشكال عن لوحاتك؟ سألتها، فقالت:
ولماذا عليها أن تحضر، لكل موجود شكله ومضمونه، والتصوير هو نسخ الشكل، بينما التجريد هو الانشغال على المضمون والجوهر، حين أرسم تعنيني روح الأشياء، هذا ما أحاول اكتشافه وتجسيده.
بالرغم أن تجربة تاتيانا يعقوب التشكيلية لم تبلّور خصوصياتها الفنية بعد، لكن معرضها الفردي الأول هذا وموقفها من الفن، ينمّان عن موهبة حقيقية، وعن حسّ إنساني عال يسعى نحو اكتشاف الآخر ومد جسور الحوار معه.
وهي ليست الأجنبية الوحيدة التي غادرت وطنها كي تكتشف روح الشرق وتتعاطف مع فقرائه، ففي سورية أجانب كثر: فنانون وباحثون وكتاب يحاولون اكتشاف هذه الروح التي طالما غطتها الندوب والجروح، لكنها مازالت تقاوم جميع أشكال الضغوط والحصار.
تهامة الجندي